شُعوبية أم عُروبية ؟
دراسة في ظاهرة العصبية السلالية
في المجتمع الإسلامي
خالد إبراهيم المحجوبي
شُعوبية أم عُروبية؟
————————————————–
خالد إبراهيم المحجوبي
———————————————-khaled-1972@makyoob.com
————————————————————————
شهدت الحضارة العربية الإسلامية ظهور ظواهر كاثرة أثرت في البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية للحضارة وملحقاتها .
وقد كان من أهم الظاهرات التي برزت في ساحة الأمة الإسلامية ما عرف بالشعوبية ، التي قابلها ما أسميه هنا بالعروبية . وهما اللتان سأقاربهما في هذه المندوحة البحثية.
أولا : الشعوبية :
في النصف الأول من القرن الثاني الهجري شاع استعمال مصطلح الشعوبية للدلالة إلى مذهب (سياجتماعي )يقوم على انتقاص قدر الجنس العربي والإغضاء من قيمته على كل مستوى، سواء الفكري ، أو السلوكي ، أو الاجتماعي 0
وحسب عبارة الزمخشري فالشعوبية هم ((الذين يصغرون شأن العرب ، ولا يرون لهم فضلاًعلى غيرهم ))[1].
وقد كان ظهور هذا الاتجاه حوالى منتصف القرن الهجري الأول على أقل تقدير . ذلك ما يترجح عندي ؛ بناء على وجود إشارات إلى بعض الأعلام الموصوفين بالشعوبية منهم -مثلاً-أبوبكر أحمد بن بشير الكوفي ، الذي وصف بأنه رأس في
الشعوبية على حد عبارة الذهبي ، والخطيب البغدادي [2].
ولم يكن للشعوبية واجهة محددة تصدر عنها طروحاتها حيث كانت الشعوبية موزعة على عدد من الواجهات أهمها : الواجهة الفارسية ، ثم الواجهة الرومية ، ثم الواجهة الزنجية ، ثم الواجهة التركية .
إن كل عنصر من هاته العناصر كان يمارس الشعوبية لكن بمقادير متفاوتة اتساعاً وعمقاً. واللافت للنظر أن كتاب وعلماء العربية غيرالعرب الأولن - ممن برئ من الشعوبية - لم تكن لديهم نظرة تفضيلية أو تفريقة تميز بين كل واجهة من واجهات الشعوبية بل كانوا يرون الشعوبية طائفة واحدة ومذهبا محصورا مقصورا على بعض العصبين غير المحترمين ؛ لذلك قال ابن قتيبة((أما أشراف العجم …وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم ، وإنما لهجت السفلة منهم بذم العرب ))[3] وقد توفي ابن قتيبة سنة 276هـ.
ولكي يكون كلامي أدنى إلى الوضوح والدقة يحسن إلقاء نظرة إلىالمكونات العرقية (الاثنية) التي احتواها العالم الإسلامي فكونت نسيجه السكاني(الديمغرافي ) وذلك في حقبة ظهور ثنائية (الشعوبية والعروبية ) في ذروة الحضارة الإسلامية أي في القرن الرابع الهجري . احتوى العالم الإسلامي العناصر العرقية التالية :العرب ، والروم ، والأتراك ،والزنوج .
أولاً : العرب
هم العنصر الرائد والمركزي في نسيج العالم الإسلامي فقد ((كانوا كل شيء في العهد الأموي ، وضعُف سلطانهم في العهد العباسي ))([4])لا سيما بعد حكم المعتصم (227هـ) الذي استقوى بعده نفوذ الأجناس ، الأخرى وبدأ بوضوح عهد التفتت العربي منذ أوائل القرن الرابع الهجري حيث توزعت القوي العربية إلى دويلات قزمية على أكتاف قبائل معينة أهمها ([5]):
1- قبيلة تغلب التي أقامت دويلة الحمدانيين في الموصل وحلب ما بين سنتي 317-394هـ
2- قبيلة كلاب التي كونت دولة المرداسين في حلب ما بين سنتي 414-472هـ
3- بنوعقيل. الّذون كونوا حكومة العقيليين في ديار بكر وبعض من الجزيرة بين سنتي 386-489هـ
4- بنو أسد . هم الّذون صنعوا دويلة المزْيَديين في الحلة بين سنتي 303-545هـ
لقد كان أنشط أدوار العرب ما شهده العهد النبوي والراشدي واستمر طوال المملكة الأموية ، أما في العهد العباسي فقد تغير الوضع كثيرا لذلك قال أدونيس: ((… فلم تعد
العصبية العربية أساسا للدولة ))([6]) .
ثانيا ً الفرس :
هم أهم الأجناس غير العربية في العالم الإسلامي ، وقد صاروا عماد المملكة الإسلامية في العهد العباسي الأول ، بدءً باستعمال المهدي لخالد بن برمك على الموصل سنة 148هـ ، وظلت لهم الوزارة سبع عشرة سنة حتى نكبهم الرشيد ،وقد ساد سلطانهم إلى أن دخلها الأتراك فتقلص النفوذ الفارسي نسبياً ، إلى أن نشط من خلال عمليات اقتطاع سياسية جغرافية من طرف دويلات قوامها العرق الفارسي ، كان أهمها ([7]):
1- الصفارية : حيث تم الاستيلاء على فارس ما بين 254-290هـ
2- الساسانيون : هم الذين استولوا على فارس ، وما وراء النهر مابين سنتي 261-389هـ.
3- البويهيون : وقد ملكوا فارس والعراق ، وأخضعوا الملك العباسي (الخليفة) .فقد امتلك أحمد بن بويه الديلمي بغداد سنة 334هـ من المستكفي وأذله وسمل عينيه، ثم حجر عليه ، وولَّى المطيع لله خليفة صورياً . وبحسب كلام المسعودي فإن المطيع صار ((في يده ، لا أمر له ولا نهي ، ولاخلافة تعرف ، ولا وزارة تذكر))([8])
ثالثاً: الزنوج:
كان أهم أعمالهم إثارتهم لثورة الزنج التي استمرت أربع عشرة سنة ، وأربعة شهور مابين سنتي 255-270هـ حتى قهرهم الملك الموفق ، أخو المعتمد على الله ، وولي عهده ([9]) وكانوا قبل ذلك أحدثوا فتنة لم تدم طويلا سنة 145هـ([10]). وقد حفظ التاريخ الإسلامي أسماء بعض من أعلام هذا العرق في كثير من المجالات ، أهمهم بلال بن رباح ، والنجاشي ، وسعيد بن جبير ، ،وعطاء بن أبي رباح، وكافور الإخشيدي .
وقد ازداد وجود هذا العرق طردياً مع دخول الإسلام للساحة الإفريقية وتوغله في وسطها خاصة ، وبتمازج الأنساب .
رابعاً: الأتراك
لابد من ذكر الملك العباسي المعتصم(الخليفة) ، عند الكلام على الأتراك ، فقد تولى الحكم سنة 218هـ وقام سنة 220هـ باستقدام أعداد كبيرة من سكان بخارى وسمرقند ، وفرغانة ، وأشرد وغيرها ، حيث وصل عددهم إلى ثمانية آلاف وقيل ثمانية عشر ألفاً .
وقد كان للترك سطوة وغلبة على عدد من ملوك العباسين ، أمثال : الراضي ، والمستكفي ([11])حتى بلغ من أمرهم -كما قال ابن الأثير - أنهم ((يقتلون من يريدون من الخلفاء ، ويستخلفون من أحبوا ، من غير ديانة ولا نظر للمسلمين ))([12]). وقد اشتهر منهم قادة عسكريون وحكام فعليون من أمثال (بُغا) و(وصيف)و(بايكباك) في مصر، وأحمد بن طولون كذلك.
ثم صارأغلب العالم الإسلامي تحت سيطرتهم في عهد الملكة العثمانية التي قامت على أنقاض المماليك الجراكسة سنة 922هـ
خامساً : الروم
هم من أقل الأعراق أثرا في حضارة وديانة المسلمين ، كان أغلبهم من السبايا والأسارى الذين استُحضروا شراءً ، أو نهباً إلى داخل الساحة الإسلامية.
كان بين الإمبراطورية الرومانية والمملكة الإسلامية حروب متطاولة وصدامات متوالية بعد التوسع الإسلامي في شمال شبه الجزيرة ، وتقويض الملك الروماني فيها.
إذاً كان لهاته الأعراق الخمسة وجود ظاهرٌ في سواء المملكة الإسلامية في ذروة مجدها ،وسَوْرة قوتها. لكن التنوع العرقي لم يقف عند تلك الأجناس فقط ؛لأنه توسع وتنوع بولوج أعراق أخرى دخلت الساحة الإسلامية بعد التوسع الذريع للدين الإسلامي الحنيف وسط قارة آسيا شرقا وشمالاً، وقارة أفريقيا جنوبا وغرباً ، لكن هذا التنوع والتعدد لم يؤثر في صرامة القاعدة الشرعية النبوية التي أعلنها النبي محمد –عليه السلام- حين قال : ((لافضل لعربي على أعجمي )) . وكذا القاعدة الشرعية الإلاهية التي أعلنها الله نفسه حين قال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
لقد كان لتلكم الأعراق ردة فعل أمام ما رأوه من سيادة سلطة العرب لاسيما في عهد مملكة الأمويين ؛ فجاءت ردة الفعل تلك في صورة كريهة عرفت باسم (الشعوبية) التي كانت مذهباً اجتماعيا سياسياً(سياجتماعي) قوامه العصبية العرقية التي تغذت بعقَدٍ نفسية عميقة أثارها تعصب عرقي في الجهة الأخرى التي يمثلها الجنس العربي .كل ذلك في معزل عن إرشادات الدين وهداية النصوص المقدسة.
إن نشوء الشعوبية نتيجة لما سلف ذكره ، جعل بعض أنصارها المعاصرين يرى أنها تمثل نضال الشعوب المظلومة أمام ((التسلط العربي ، والتعصب الشوفيني الذي مارسته الارستقراطية العربية))[13] .كما يرى أدونيس أن عهد المملكة العباسية حدث فيه أن ((زالت العنصرية العربية وما يتبعها من أعراف وتقاليد ، زالت العروبية وحلت محلها الإسلاموية؛ فلم تعد العصبية العربية أساساً للدولة ))[14].
الانقلاب السكاني (الديمغرافي )
مع توسع وانتشار الإسلام حدثت تطورات هامة في بنية الوجود الإسلامي سواء في واجهته البشرية السكانية ، أو قاعدته الجغرافية وقد كان من أهم تلك التطورات ذلك الانقلاب في المكونات العرقية للمسلمين. فبعد أن كان العرب مكوِّنين للأغلبة الساكنية ، والعجم مشكلين لأقليات متفرقة ، صار الأمر على الضدِّ من ذلك فأضحى الجنس العربي أقلية وسط أكثرية أعجمية ؛ حتى انصرف القرن العشرون ،والعرب يملؤون أقل من 25%من مجموع الأمة الإسلامية ، بعد أن كانوا في العقودالثلاثة الأولى للإسلام مالئين أكثر من 90% من مجموع الأمة الإسلامية ، ومع ازدياد التوسع الإسلامي جغرافيا وبشرياً ازداد التعقّد الاجتماعي واشتدّ اضطرابه ، وهذا أمر طـبَعي خاضع لسنن الاجتماع البشري .
لا ريب في أن المجتمعات أحادية العرق تكون عادة على توافق اجتماعي ، وسلامة تنظيمية لا يمكن مقارنتها بما هي عليه المجتمعات ذوات الأعراق المتداخلة ، والمتكاثرة . تلك المجتمعات المعقدة التي صار المجتمع الإسلامي أنموذجاً هاما ًلها ، وبخاصة في العهد العباسي وبعده. وليس بمُكْنتنا إنكار قيام المجتمع الإسلامي على تركيبة طبقية معيارها الأساسي : العرق والسلالة في ظل العصبية. وهذا وضع اجتماعي لم تتمكن النصوص المقدسة من إزالته برغم تركيزها العميق على إرساخ معاير عادلة، ومبادئ قويمة غير عائلة ، تنظم الوضع الطبقي وتعترف بكونه سنة حياتية .
ذلك ما نجده في نصوص من أمثال قول النبي عليه السلام :((ألا إن ربكم واحد وأباكم واحد ، ألا ، لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى))[15] كذلك قال : ((من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه))[16].
وإلى ذلك قال عليه السلام والصلاة : ((ليس منا من دعا إلى عصبية . وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية ))[17]. وسئل يوماً ((من أكرم الناس ؟ قال : أتقاهم))[18] . وفوق كل هذا قال الله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[19].
إن مبدأ المساواة يحدد مفهوم الإنسان ((ويمثل بالتالي حجر الزاوية الذي يرتكز عليه بناء النظام الاجتماعي ، وهذا الشعور خاص بالإسلام ، إذ لم يسبق أبداً لدين ، أو لأيديولوجية أن أكداه من قبل بهذه القوة ))[20]
وبرغم ذلك كله بقي للتمييز العرقي سطوته وللعصبية قوتها. وإذا ما نظرنا إلى طبقتي العرب والموالي ؛فلن تجهدنا رؤية مدى التمييز والتفريق الطبقي بينهما ، فالعرب هم الأعلَوْن وقتها لسببين أراهما ماثلان في :
1- كون الإسلام قام أول عهده على أكتاف العرب .
2- كون الغلبة العددية كانت للعرب في مرحلة التأسيس الأول ، قبل صيرورتهم أقلية بعد ذلك .
لاجرم أن الموالي كانوا يلحظون بجلاء الفرق والتفريق ويحاولون توطئة نفوسهم لتقبله ، بل إن كثيرا منهم آمن بعُلوية العرق العربي ، وفي هذا تفسير لكثير من الحوادث والمواقف التي سجلها التاريخ الإسلامي لمسلمين من غير العرب ، من ذلك ما حدث في معركة (دير الجماجم) [21]
























