شعوبية أم عروبية ؟

كتبها خالد المحجوبي ، في 11 أغسطس 2007 الساعة: 22:14 م

               شُعوبية أم عُروبية ؟

دراسة في ظاهرة العصبية السلالية

في المجتمع الإسلامي

 

 

 

 

 

 خالد إبراهيم المحجوبي 

 

 

 

 

 

 

 

 

شُعوبية أم عُروبية؟

————————————————–

خالد إبراهيم المحجوبي

 

———————————————-khaled-1972@makyoob.com                    

————————————————————————

شهدت الحضارة العربية الإسلامية ظهور ظواهر كاثرة أثرت في البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية للحضارة وملحقاتها .

   وقد كان من أهم الظاهرات التي برزت في ساحة الأمة الإسلامية ما عرف بالشعوبية ، التي قابلها ما أسميه هنا بالعروبية . وهما اللتان سأقاربهما في هذه المندوحة البحثية.

أولا : الشعوبية :

   في النصف الأول من القرن الثاني الهجري شاع استعمال مصطلح الشعوبية للدلالة إلى مذهب (سياجتماعي )يقوم على انتقاص قدر الجنس العربي والإغضاء من قيمته على كل مستوى، سواء الفكري ، أو السلوكي ، أو الاجتماعي 0

   وحسب عبارة الزمخشري فالشعوبية هم ((الذين يصغرون شأن العرب ، ولا يرون لهم فضلاًعلى غيرهم ))[1].

   وقد كان ظهور هذا الاتجاه حوالى منتصف القرن الهجري الأول  على أقل تقدير . ذلك ما يترجح عندي ؛ بناء على وجود إشارات إلى بعض الأعلام الموصوفين بالشعوبية منهم -مثلاً-أبوبكر أحمد بن بشير الكوفي ، الذي وصف بأنه رأس في

 الشعوبية على حد عبارة الذهبي ، والخطيب البغدادي  [2].

   ولم يكن للشعوبية واجهة محددة تصدر عنها طروحاتها حيث كانت الشعوبية موزعة على عدد من الواجهات أهمها : الواجهة الفارسية ، ثم الواجهة الرومية ،  ثم الواجهة الزنجية ، ثم الواجهة التركية .

   إن كل عنصر من هاته العناصر كان يمارس الشعوبية لكن بمقادير متفاوتة اتساعاً وعمقاً. واللافت للنظر أن كتاب  وعلماء العربية غيرالعرب الأولن - ممن برئ من الشعوبية  - لم تكن لديهم نظرة تفضيلية أو تفريقة تميز بين كل واجهة من واجهات الشعوبية بل كانوا يرون الشعوبية طائفة واحدة ومذهبا محصورا مقصورا على بعض العصبين غير المحترمين  ؛ لذلك قال ابن قتيبة((أما أشراف العجم …وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم ، وإنما لهجت السفلة منهم بذم العرب ))[3] وقد توفي ابن قتيبة سنة 276هـ.

  ولكي يكون كلامي أدنى إلى الوضوح  والدقة يحسن إلقاء نظرة إلىالمكونات العرقية (الاثنية) التي احتواها العالم الإسلامي فكونت نسيجه السكاني(الديمغرافي ) وذلك في حقبة ظهور ثنائية (الشعوبية والعروبية ) في ذروة الحضارة الإسلامية أي في القرن الرابع الهجري .             احتوى العالم الإسلامي العناصر العرقية التالية :العرب ، والروم ، والأتراك ،والزنوج .

   أولاً : العرب

     هم العنصر الرائد والمركزي في نسيج العالم الإسلامي فقد ((كانوا كل شيء في العهد الأموي ، وضعُف سلطانهم في العهد العباسي ))([4])لا سيما بعد حكم المعتصم (227هـ) الذي استقوى بعده نفوذ الأجناس ، الأخرى وبدأ بوضوح عهد التفتت العربي منذ أوائل القرن الرابع الهجري حيث توزعت القوي العربية إلى دويلات قزمية على أكتاف قبائل معينة أهمها ([5]):

1- قبيلة تغلب التي أقامت دويلة الحمدانيين في الموصل وحلب ما بين سنتي 317-394هـ

2- قبيلة كلاب التي كونت دولة المرداسين في حلب ما بين سنتي 414-472هـ

3- بنوعقيل. الّذون كونوا حكومة العقيليين في ديار بكر وبعض من الجزيرة بين سنتي 386-489هـ

4- بنو أسد . هم الّذون صنعوا دويلة المزْيَديين في الحلة بين سنتي 303-545هـ

    لقد كان أنشط أدوار العرب ما شهده العهد النبوي والراشدي واستمر طوال المملكة الأموية ، أما في العهد العباسي فقد تغير الوضع كثيرا لذلك قال أدونيس: ((… فلم تعد

العصبية العربية أساسا للدولة ))([6]) .

   ثانيا ً الفرس :

      هم أهم الأجناس غير العربية في العالم الإسلامي ، وقد صاروا عماد المملكة الإسلامية في العهد العباسي الأول ، بدءً باستعمال المهدي لخالد بن برمك على الموصل سنة 148هـ ،  وظلت لهم الوزارة سبع عشرة سنة حتى نكبهم الرشيد ،وقد ساد سلطانهم  إلى أن دخلها الأتراك فتقلص النفوذ الفارسي نسبياً  ، إلى أن نشط من خلال عمليات اقتطاع سياسية جغرافية من طرف دويلات قوامها العرق الفارسي ، كان أهمها ([7]):

1- الصفارية : حيث تم الاستيلاء على فارس ما بين 254-290هـ

2-  الساسانيون : هم الذين استولوا على فارس ، وما وراء النهر مابين سنتي 261-389هـ.

3- البويهيون : وقد ملكوا فارس والعراق ، وأخضعوا الملك العباسي (الخليفة) .فقد امتلك أحمد بن بويه الديلمي بغداد سنة 334هـ  من المستكفي وأذله وسمل عينيه، ثم حجر عليه ، وولَّى المطيع لله خليفة صورياً . وبحسب كلام المسعودي فإن المطيع صار ((في يده ، لا أمر له ولا نهي ، ولاخلافة تعرف ، ولا وزارة تذكر))([8])

ثالثاً: الزنوج:

    كان أهم أعمالهم إثارتهم لثورة الزنج التي استمرت أربع عشرة سنة ، وأربعة شهور مابين سنتي 255-270هـ حتى قهرهم الملك الموفق ، أخو المعتمد على الله ، وولي عهده ([9]) وكانوا قبل ذلك أحدثوا فتنة لم تدم طويلا سنة 145هـ([10]). وقد حفظ التاريخ الإسلامي أسماء بعض من أعلام هذا العرق في كثير من المجالات ، أهمهم بلال بن رباح ، والنجاشي ، وسعيد بن جبير ، ،وعطاء بن أبي رباح، وكافور الإخشيدي .

   وقد ازداد وجود هذا العرق طردياً مع دخول الإسلام للساحة الإفريقية وتوغله في وسطها خاصة ، وبتمازج الأنساب .

   رابعاً: الأتراك

   لابد من ذكر الملك العباسي المعتصم(الخليفة)  ، عند الكلام على الأتراك ، فقد تولى الحكم سنة 218هـ وقام سنة 220هـ باستقدام أعداد كبيرة من سكان بخارى وسمرقند ، وفرغانة ، وأشرد وغيرها ، حيث وصل عددهم إلى ثمانية آلاف وقيل ثمانية عشر ألفاً .

   وقد كان للترك سطوة وغلبة على عدد من ملوك العباسين ، أمثال : الراضي ، والمستكفي ([11])حتى بلغ من أمرهم -كما قال ابن الأثير - أنهم ((يقتلون من يريدون من الخلفاء ، ويستخلفون من أحبوا ، من غير ديانة ولا نظر للمسلمين ))([12]). وقد اشتهر منهم قادة عسكريون وحكام فعليون من أمثال (بُغا) و(وصيف)و(بايكباك) في مصر، وأحمد بن طولون كذلك.

   ثم صارأغلب العالم الإسلامي تحت سيطرتهم في عهد الملكة العثمانية التي قامت على أنقاض المماليك الجراكسة سنة 922هـ

    خامساً : الروم

       هم من أقل الأعراق أثرا في حضارة وديانة المسلمين ، كان أغلبهم من السبايا والأسارى الذين استُحضروا شراءً ، أو نهباً إلى داخل الساحة الإسلامية.

      كان بين الإمبراطورية الرومانية والمملكة الإسلامية حروب متطاولة وصدامات متوالية بعد التوسع الإسلامي في شمال شبه الجزيرة ، وتقويض الملك الروماني فيها.

   إذاً كان لهاته الأعراق  الخمسة وجود ظاهرٌ في سواء المملكة الإسلامية في ذروة مجدها ،وسَوْرة قوتها. لكن التنوع العرقي لم يقف عند تلك الأجناس فقط ؛لأنه توسع وتنوع بولوج أعراق أخرى دخلت الساحة الإسلامية بعد التوسع الذريع للدين الإسلامي الحنيف وسط قارة آسيا شرقا وشمالاً، وقارة أفريقيا جنوبا وغرباً ، لكن هذا التنوع والتعدد لم يؤثر في صرامة القاعدة الشرعية النبوية التي أعلنها النبي محمد –عليه السلام- حين قال : ((لافضل لعربي على أعجمي )) . وكذا القاعدة الشرعية الإلاهية التي أعلنها الله نفسه حين قال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

   لقد كان لتلكم الأعراق ردة فعل أمام ما رأوه من سيادة سلطة العرب لاسيما في عهد مملكة الأمويين ؛ فجاءت ردة الفعل تلك في صورة كريهة عرفت باسم (الشعوبية) التي كانت مذهباً اجتماعيا سياسياً(سياجتماعي) قوامه العصبية العرقية التي تغذت بعقَدٍ نفسية عميقة أثارها تعصب عرقي في الجهة الأخرى التي يمثلها الجنس العربي .كل ذلك في معزل عن إرشادات الدين وهداية النصوص المقدسة.

   إن نشوء الشعوبية نتيجة لما سلف ذكره ، جعل بعض أنصارها المعاصرين يرى أنها تمثل نضال الشعوب المظلومة أمام ((التسلط العربي ، والتعصب الشوفيني الذي مارسته الارستقراطية العربية))[13]   .كما يرى أدونيس أن عهد المملكة العباسية حدث فيه أن ((زالت العنصرية العربية وما يتبعها من أعراف وتقاليد ، زالت العروبية وحلت محلها الإسلاموية؛ فلم تعد العصبية العربية أساساً للدولة ))[14].

الانقلاب السكاني (الديمغرافي )     

   مع توسع وانتشار الإسلام حدثت تطورات هامة في بنية الوجود الإسلامي سواء في واجهته البشرية السكانية ، أو قاعدته الجغرافية وقد كان من أهم تلك التطورات ذلك الانقلاب في المكونات العرقية للمسلمين. فبعد أن كان العرب مكوِّنين للأغلبة الساكنية ، والعجم مشكلين لأقليات متفرقة ، صار الأمر على الضدِّ من ذلك فأضحى الجنس العربي أقلية وسط أكثرية أعجمية ؛ حتى انصرف القرن العشرون ،والعرب يملؤون أقل من 25%من مجموع الأمة الإسلامية ، بعد أن كانوا في العقودالثلاثة الأولى للإسلام مالئين أكثر من 90% من مجموع الأمة الإسلامية ، ومع ازدياد التوسع الإسلامي جغرافيا وبشرياً ازداد التعقّد الاجتماعي واشتدّ اضطرابه ، وهذا أمر طـبَعي خاضع لسنن الاجتماع البشري .

   لا ريب في أن المجتمعات أحادية العرق تكون عادة على توافق اجتماعي ، وسلامة تنظيمية لا يمكن مقارنتها بما هي عليه المجتمعات ذوات الأعراق المتداخلة ، والمتكاثرة . تلك المجتمعات المعقدة التي صار المجتمع الإسلامي أنموذجاً هاما ًلها ، وبخاصة في العهد العباسي وبعده. وليس بمُكْنتنا إنكار قيام المجتمع الإسلامي على تركيبة طبقية معيارها الأساسي : العرق والسلالة في ظل العصبية. وهذا وضع اجتماعي لم تتمكن النصوص المقدسة من إزالته برغم تركيزها العميق على إرساخ معاير عادلة، ومبادئ قويمة  غير عائلة ، تنظم الوضع الطبقي وتعترف بكونه سنة حياتية .

    ذلك ما نجده في نصوص من أمثال قول النبي عليه السلام   :((ألا إن ربكم واحد وأباكم واحد ،  ألا ، لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى))[15] كذلك قال : ((من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه))[16].

    وإلى ذلك قال عليه السلام والصلاة : ((ليس منا من دعا إلى عصبية . وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية ))[17]. وسئل يوماً ((من أكرم الناس ؟ قال : أتقاهم))[18] . وفوق كل هذا قال الله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[19].

   إن مبدأ المساواة يحدد مفهوم الإنسان ((ويمثل بالتالي حجر الزاوية الذي يرتكز عليه بناء النظام الاجتماعي ، وهذا الشعور خاص بالإسلام ، إذ لم يسبق أبداً لدين ، أو لأيديولوجية أن أكداه من قبل بهذه القوة ))[20]

  وبرغم ذلك كله بقي للتمييز العرقي سطوته وللعصبية قوتها. وإذا ما نظرنا إلى طبقتي العرب والموالي ؛فلن تجهدنا رؤية مدى التمييز والتفريق الطبقي بينهما ، فالعرب هم الأعلَوْن وقتها لسببين أراهما ماثلان في :

1- كون الإسلام قام أول عهده على أكتاف العرب .

2-  كون الغلبة العددية كانت للعرب في مرحلة التأسيس الأول ، قبل صيرورتهم أقلية بعد ذلك .

لاجرم أن الموالي كانوا يلحظون بجلاء الفرق والتفريق ويحاولون توطئة نفوسهم لتقبله ، بل إن كثيرا منهم آمن بعُلوية العرق العربي ، وفي هذا تفسير لكثير من الحوادث والمواقف التي سجلها التاريخ الإسلامي لمسلمين من غير العرب ، من ذلك ما حدث في معركة (دير الجماجم) [21]

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نحو مشروع نهضة حضارية

كتبها خالد المحجوبي ، في 5 أغسطس 2007 الساعة: 16:55 م

                    نحو مشروع نهضة حضارية

بعيدا عن الحضارة الورقية

==================================================================

                                  خالد إبراهيم المحجوبي

 

 

     إن المعاجم العربية تظل عاجزة عن تقديم تعريف مقارب لحقيقةالحضارة بوصفها مفهوما اجتماعيا وعمرانيا . وغاية ما تمدنا به تلك المعاجم هو أن تخبرنا أن الحضر خلاف البدو ، والحاضر خلاف البادي، والحضارة (بالكسر )هي الإقامة في الحضر.(1)

إن معيار تحقيق الحضارة التي أعنيها هو تحقيق الحضور المؤثر الفاعل على مساحة العالم . وكذلك النهوض العلمي والفكري ، والإبداعي نحو مآل خلاق مؤثر.

    فبدون وجودعنصري الرقي  الاجتماعي بمظاهره ، ثم الرقي العلمي بصوره لا تتحقق حضارة حقيقية.

     يعرف بعض الــدارسين الحضارةبأنها ((ظاهرة اجتماعية تتبلور في نظم محكمة وآثار ماثلة))(2) .

نجد عندابن خلدون أن الحضارة غاية العمران والعمران طليعة المدنية(3) والمدنية والعمران كلاهما من مظاهر الحضارة الكاملة.

    مصطلح الحضارة انتابته تشويهات مفهومية ناتجة عن الخلط بينه وبين بعض المفاهيم الأخرى التي تآصرت معه ببعض الخصائص المشتركة ، كما هوالحال في مصطلح الثقافة ، والنهضة ، والتقدم والمدنية .(4)

    ومن أشهر التعاريف التي أصابها الخلطوالتشويه غير المدقق تعريف الأنثروبولوجي الإنجليزي  (تايلور) حين قال((هي الكل المعقدالذي يتضمن المعرفة ، والعقيدة والفن والأخلاق ، والقانون ، والتقاليد ، وكل القدرات التي يكتسبها الإنسان ، بوصفه عضوا في مجتمع)) (5)

    وليقترب كلامنا هنا إلى الدقة أكثر سأعمل بإيجاز على تحديد المفهوم المناسب والمطابق حقاً لمصطلح الحضارة ، كما أراها مع التسليم أولا بأنها قبل كل شيء ظاهرة اجتماعية.

    إن مصطلح الحضارة في الاستعمال الحديث لا يرادف ماأراده ابن خلدون منه حين ذهب إلى أن الحضارة ((غاية العمران، ونهاية لعمره ، ومؤدية لفساده[وأنها محصورة في  ]التفنن في الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه))(6)

     يسنح في هذا الكلام بوضوح أن ابن خلدون قد فشل في وضع تعريف مناسب للحضارة ، بل إنه لم يقدم حتى تعريفا مقاربا لحقيقتها ، حيث اكتفى بذكر عرض وملمح جزئي غير عام من ملامح التطور المدني والنمو العمراني، وهو ملمح الترف الكمالى اللصيق بالتقدم البالغ في وسائل المدنية وآلاتها .

     إن ما ذهب إليه ابن خلدون مطابق لمن يعرف الحضارة في عصرنا بأنها الترف التكنولوجي لا أكثر، وظاهر ما يحمله هذا التصورمن تسطيح واختصار عائل.

    إذا ما توجهنا إلى الوضع الحضاري للأمةالعربية الإسلامية فسيكون من المناسب بدء الكلام بذكر هذه المسلّمات التالية :

     مسلمة أولى = إن الأمة العربية(الإسلامية) كانت قد حققت إقامة حضارة  مؤثرة سادت العالم وأثرت في كل أجنابه.

    مسلّمة ثانية : إن هذه الأمة نفسها قد فشلت في حفظ أمانة أسلافها أرباب حضارتها .

    مسلمة ثالثة : إن ذاك الفشل أفقدها معالم حضارتها ووهج تأثيرها .          

    مسلمة رابعة :إن هذه  الأمة صارت بلا حضارة واقعية ، ولم تعد تمتلك إلا حضارة على الورق.يجتر ذكرياتها الخلف ، ولا يسأمون من الاجترار.

    مسلمة خامسة: ليس من المستحيل أن تبني حضارة جديدة ؛ لأن التاريخ خضع لحقيقة مفادها أن  :لا مستحيل تحت الشمس.

    إن كل من كان واقعيا نجده يسلّم بأن العرب مفتقدون لحضارة معاصرة ، بل إن الأمر أنكى من ذلك وأمر ، لكونهم مفتقدين ما يمكن أن يكون مشروعا لحضارة ذات قيمة مؤثرة.

    إن المنطق يوجب علينا أن نفكر في استراتيجية نخلقها في الطريق إلى الحضارة المزمع إنشاؤها . فمن الجهالة السعي لحضارة قبل وضع مشروع يوصل إليها ، كما أن من الغفلة محاولة وضع ذلك المشروع قبل تحديد موانع ومثبطات نشوئه ، ومباعث تأخر ظهوره إلى هذا الزمن المتأخر في عمر التاريخ.

 

 

 

الأركان النهضوية للحضارة:

   إ ن الوضع النهضوي للأمة ليس رهنا بوصف محدد أو نعت معين معمم ، فذلك أمر منوط بتحديد المستوى النهضوي المرادبيان وضعه وحاله ، ولبيان هذا القول أذكّر وأنبه إلى أن النهضة الحضارية مكونة بجملتها من مجموعة مستويات تمثل أركانها القائمة عليها ، إن أهم تلك(المستويات -الأركان) هي التالية :

1-             -الركن العلمي : الذي تقوم عليه النهضة العلمية

2- الركن الفكري :الذي تتأسس على قاعدته النهضة الفكرية للأمة . إن هذا الركن يشمل تخصصات كثيرة تحتضن ثمار الفعل التفكيري لصفوة صناع الحضارة ، فيدخل تحته الفكر الاقتصادي ، والفكر السياسي، والفكر الأخلاقي، والفكر الاجتماعي ، والفكر الديني

3- الركن الإبداعي : وهو أكثر الأركان تشعبا وألصقها بحياة عوام الأمة ، فضلا عن خواصها  .وهذا الركن ينشعب إلى فروع كثيرة أهمها : الإبداع المعماري ، الإبداع الكتابي بكل أجناسه سواء الشعر ، أو القصة ، أو الرواية ، الإبداع الفني : أعني هنا بالفني معناه الضيق العامي ،  المنحصر في صوره الشائعة مثل: الرسم والموسيقى ، والتمثيل(التشخيص)  .ونحو ذلك مما اصطلح على تسميته بالفن.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السيرة العلمية لخالد إبراهيم المحجوبي

كتبها خالد المحجوبي ، في 5 أغسطس 2007 الساعة: 16:43 م

السيرة العلمية والثقافية

الاسم / خالد إبراهيم علي المحجوبي

      مولود في  ليبيا بتاريخ 23 / 12 / 1972

الدراسة الابتدائية والإعدادية كانت في مدرسة سيدي زكريا القرآنية ، حيث كانت الدراسة تعتمد أساسا على تحفيظ القرآن الكريم ودراسة العلوم الدينية ، فضلا عن العلوم  الأخرى المقررة في باقي المدارس .

الدراسة الجامعية :-

في كلية الآداب بجامعة السابع من إبريل حيث حصلت منها على شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها سنة 1995 .

الدراسة العليا :-

في جامعة السابع من إبريل – كلية الآداب حصل فيها كلا من :-

-         دبلوم الدراسات العليا في القرآنية سنة 1997

-         شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية سنة 2000 م. وكانت في موضوع مرجعية التصوف الإسلامي .

ثم سجل أطروحة الدكتوراه في جامعة الفاتح كلية الآداب . وأنهيت كتابتها سنة 2003 م .في  قضايا الفكر الديني والتجديد 

* العمل الحالي :- عضو هيئة التدريس بكلية الآداب – جامعة الجبل الغربي / غريان . قسم اللغة العربية والدراسات القرآنية . 

-         عضو رابطة الأدباء ، بشعبية الزاوية.

-          صدر له من المطبوعات كتاب تحت عنوان عنوان " الرسم القرآني بين التوقيف والاصطلاح " . وكتاب "العملية التأثرية بين الشرق والغرب".

-         وله بضعة كتب بسبيل الطبع أهمها : كتاب " ثالوث التصوف الإسلامي " وكتاب "صلح الحديبية واثره في العلاقات الدولية"وكتاب "الاستشراق والإسلام "

-        

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المثقف والسلطة ب: بين الإقصاء والإخصاء

كتبها خالد المحجوبي ، في 5 أغسطس 2007 الساعة: 16:29 م

المثقف والسلطة

ثنائية الإقصاء والإخصاء (*)

خالد إبراهيم المحجوبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

     قبل كل شئ سأقول إني أعني بالمثقف –في هذا المقام-، المفكر أو العالم في أي مجال معرفي كان ، وبهذا المعنى أكاد أوافق محمد عابد الجابري في استعماله لمصطلح المثقف (1) الذي يختزن كثيرا من المصطلحات الاسمية ، كالعالم ، والمجتهد ،والمفسر ، والفقيه …إلخ.

    وأعني بالسلطة: الحكومة الغالبة في أي مكان وزمان.  

    لقد أثبت التاريخ تلاصقاً تمازجيا بين ثنائية(المثقف –السلطة) ، حتى لكأن بينهما قرابة ، لكنها لسوء الواقع قرابةملعونة –حسب تعبير عبد المنعم المحجوب-(2)الذي اقترح حلاً سيبقى طوباوياً مادام بنوا آدم هم  المالئون ساحتي السلطةوالثقافة . ذلك الحل هو أن يتم فك ((تحالف السلطة والثقافة))(3)

   ليس في السهولة تصور علاقة موضوعية بريئة بين المثقف والسلطة ؛ لأن شواهد التاريخ والحاضر تظافرت على توكيد حقيقة صارت ثابتة ، هي : أن علاقة المثق والسلطة لم يكتب لها الخروج عن إطار ثنائية (الأقصاء -والإخصاء) هذه الثنائية التي اختصرها معاوية حين قال لأبي بكر بن عثمان بن الحارث((هي الدنيا ، فإما أن ترضع معنا ، وإما أن ترتدع عنا ))(4).

   ولاجرم صارت السلطة فيما بعد هي البقرة الحلوب لمؤسستين رئيستين هما: المؤسسة السياسية ، والمؤسسة العلمية بأقسامها الدينية والأدبية .

   مفهوم: الإقصاء ، والإخصاء:

   أعني بكلمة الإقصاء : الإبعاد الاضطهادي الذي يسقط على المثقف من طرف السلطةالحاكمة في حال تعذر توظيفه وتدجينه ؛ ليكون بوقاً لها ، أوعلى الأقل ساكتاً عن انحرافها .أي أن يرفض قبول وظيفة (شيطان أخرس).

  

عادة ما يكون ذلك الإبعاد الاضطهادي في صورتين هما :

1  -جسدياً واقعياً ، بالنفي ، أوالسجن ، أو الإخراج عن ساحةالدنيا بالاغتيال ، أو الإعدام.

2  -معنوياً عن طريق تجريد ذلك المثقف من حقوقه الثقافية والعلمية. كأن يحرم من حق نشر أفكاره في كتب أو مقالات، أو أن يضيق عليه في حياته العلمية الفكرية ، والارتزاقية ، كأن يفصل من الجامعات ، أو يمنع حضور المؤتمرات العلمية والندوات الثقافية ، ويحجر ترشيحه للجوائز الفكرية والعلمية .

أما الإخصاء:  فأعني به أن يُنـزع عن المثقف جدواه المعرفية، وقناعاته الفكرية، وكفاءته الإبداعية الأصيلة ، ثم يصير قلمه آلة مستأجرة ، تعمل حيث يوجهها صاحب الأجر ، وتتوقف حين يوقفها وبذلك يتحول -بل يمسخ- إلى مفكر مأجور، فاقد لعذريته الفكرية ، وشرفه العلمي.

   مبررات ودوافع الإخصاء والإقصاء:

   من المهم والفائد أن ننظر  في مبعث نشوء تلك العلاقة بين المثقف والسلطة.

   إن المثقف –قبل كل شيء- هو عنصر من مكوّنات  الدولة بوصفه مواطنا ضمن نسيجها السكاني(الديموغرافي)، لكن تميّزه عقليا وفكرياً ؛ جعل منه مشروعَ وسيلة تهتم السلطة باستثمارها في مشروعها السياسي الضيق، أو الأيديولوجي الواسع .إن (السلطة )في حاجةإلى التواصل مع الشعب ( العوام )، وإلى دعم جماهيري يقوي سلطتها ، ويدعم هيبتها ، ويرْسخ مكانتها.

   أما الشعب فلا يمكن استمالته إلا بإقناعه بجدوى هاته (السلطة- الحكومة )وصلوحيتها لخدمته ، وتحقيق منافعه .إن مهمة الإقناع تلك لا يمكن تحقيقها إلا بإحدى وسيلتين هما:

      1-أن تعمل (السلطة- الحكومة) واقعياً وعمليا إلى نفع شعبها ، وتحقيق رغباته وتوفير حقوقه ، وهذا آخر ما يمكن أن يفكر فيه رؤوس السلطة قديماً وحديثاً –مع وجود استثناءات قليلة-.

      2-أن تفعل (السلطة-الحكومة) ، ذلك بطريقة غير عملية، وغير واقعية، أي بالاستعانة بالخداع والكذب ، وهذه مهمة لايمكن تحقيقها إلا بواسطة أناس لهم قدرة مميزة على تحقيق الإقناع، وحسن التعبير وطلاوة التنظير ، وإجادة الإيصال، وإتقان الإخبار، وتزيين الوعود ، وتزييف العهود، وتقبيح الحسين، وتحسين القبيح. كل هاته المهام تحتاج شخصاً قادراً وبارعاً في تحقيقها، ولا أحد يمكنه ذلك إلا صاحب عقل مميز ،أو فكر بارع ، أو لسان طليق .يدرك الناس حكمته ، وبراعته ، ويثقون في كلامه وخبرته.

    إن كل هذه الصفات وجدت عند (المثقف) ؛ فعملت السلطة على استغلاله ؛ فوظَّفته ليكون وسيطاً بينها وبين الشعب (الرعية)، فمن قبل من المثقفين هذه المهمة، وهذا التكليف فقد أمن ضرر وكلفة الإقصاء . وضمن منافع ومذلة الإخصاء.

    إن التاريخ العربي الإسلامي هو من أرحب الساحات التي شهدت تطبيقات تلك الثنائيةالنكدة(الإقصاء- الإخصاء)، بدء ً من المملكة الأموية ،وصولاً إلى الحكومةالعراقيةالصدّامية.

   فما بين معاوية وصَدَّام لم ينفك المثقف عن خنوع أو صِدام، لم يبرأ  عن ذلة الدجين ، أو نكبة السجين ،ولم يتزيل عن وضاعةالخسيس ، أو رفعة الرسيس.

   لقد كان الإقصاء والإخصاء استراتيجية ملازمة لكل الحكومات الإسلامية المطلقة ، بدءً من المملكة الأموية، مروراً بالمملكة العثمانية، وصولاً إلى الدول الحديثة التي تشظّت بعد الحقبة الاستعمارية في كثرة غُثائية، وغزارة غير مجدية.

   محاضن المثقفين:

    تركزت محاضن المثقفين وسط الساحةالعربية والإسلامية في محضنين رئيسين :

1- المحضن الأول: منظومة الفرق الإسلامية التي لم تبرأ أيٌ منها عن احتضان نماذج ممن لحقهم الإقصاء، أو شملهم الإخصاء . وهذه نتيجة طبيعية ومنطقية ، ناتجةعن طبيعةالتلامس بين السلطة،  وبين المثقفين الذين لم تكتب لهم العصمة عن درجات الترغيب، ودركات الترهيب.

2- المحضن الثاني: هو محضن حديث تمثل في الأحزاب السياسيةالمنظمة ، سواء الأحزاب العلمانية ، أو الإسلامية(الإسلاموية). مع التسليم بوجود كثير من المثقفين استقلوا عن التحزب ، لكن ذلك لم يعصم كثيرا منهم عن الوقوع في إحدى ساحتي : الإقصاء ، والإخصاء.

   إن تحديد شخوص المثقفين الذين تم إخصاؤهم وتدجينهم ، أعسر من تحديد الذين تم إقصاؤهم ،وترفعوا عن التوظيف؛ لأجل ذلك لن اورط نفسي هنا في ذكر أسماء محددة ممن كانوا وسط الفريق الأول ،وذلك قائم على سببين هما:

1- لأن ذلكم أمر يستتبع التفصيل والاستدلال  الدقيق، مما لايحتمله حيز هذه الدراسة الموجزة .

2- لأن كثيرا من أفراد هذا الصنف الموظف قد أدخل دائرة الرموز المقدسة ، والمبجلة من طرف المقلدين، أو والمتحزبين المتأخرين ؛ لذا سأجتنب استجلاب خصومتهم هنا.

   كما أن من الخطايا الدراسية والفكرية ترك التريث عندالحكم على شخصية ما أو الاعتماد على قرائن واهية ، لا ترقى إلى مستوى الأدلة .

    من ذلك مثلاً أن يُحكم بأن مثقفاً ما قد احتوته السلطة ، وتم ترويضه لخدمتها ، ثم الاستدلال على هذا الحكم بأنه كتب كتاباً أو أكثر وافق فيه أفكار السلطة، أو لم يعارضها فيه فكريا .

   إن الكثيرين يسقطون في نحو هذا الخطأ البحثي . أذكر منهم الباحث المهم محمد عابد الجابري ، حيث وصم الجاحظ بتهمة الانسياق وراء هوى السلطة ، فقال((لقد ألَّف الجاحظ رسائل لا يمكن تبرئتها من الانسياق مع أيديولوجيا الدولة، وخدمتها ، مثل رسالته في العثمانية))(5).

    ليس لنا أن نستبعد احتمال حدوث توافق طبيعي بين طروح السلطة وما توصل إليه بعض المثقفين باجتهاد بريء علمياً. إن استبعاد هذا الاحتمال ينطوي  على تهور بحثي ،وبعد عن التفكير المنطقي القابل لكل ما لا يستحيل عقلاً.

   ومن صور التهور البحثي الحكم على مثقف ما بأنه موظف وممالئ وتابع للسلطة ، لمجرد كتابته إهداء أو دعاء إلى الحاكم مصدرا به بعض كتبه.كما فعل محمد فؤاد عبد الباقي-مثلاً- في بعض كتبه، وكما شاع قديما بين كثير من رموز ومشاهير التراث العربي والإسلامي.

    لكن الأمر يكون أسهل عند اشتهار مثقف ما بخلق غير سوي أو سلوك وصولي انتهازي قائم على غير مبادئ قويمة مثلما هو الحال عند أبي حيان التوحيدي،و المتنبي ،وابن خلدون.

    وغالبا ما يكون مدح السلطان غير قائم على((خصائص موضوعية في السلطان بل هو اتجاه نحوالسلطة بالتملق والزلفى والنفاق))(6).

    ولقد برع أكثر المثقفين المخصيين في ممارسة التملق والتزلف والنفاق ، على نحو يعدّ في ذاته إبداعاً ومهارة لافتة للنظر .

 الإقصاء والإخصاء بين المبادرةوالإجبار

   أعني بالمبادرة هنا أن يقوم المثقف نفسه بمهمة إقصاء ذاته ،ودوره الثقافي، أو أن يقوم بمهمة إخصاء نفسه ، ودوره الثقافي . أما الإجبار فهو أن يُكره على ذلك إكراها ً بلا رضاه.

 

 أولاً : الإقصاء: له حالتان هما:

     1-حالة  الإقصاء الذاتي :

    هي حالة يعمد المثقف فيها إلى الاز

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بلاغة اللغة ، ولغة البلاغة

كتبها خالد المحجوبي ، في 5 أغسطس 2007 الساعة: 04:54 ص

بلاغة اللغة ولغة البلاغة

(اللغة العربية بين تعدد المستويات ، واضطراب المعايير)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خالد إبراهيم المحجوبي

 

     ليس من الصواب حصر معنى اللغة في الكلام والكتابة فحسب ، فهذا تعريف قديم بائد وعائل. إن اللغة هي كل معنى تنطق به ، أو تكتبه ، أو ترسمه ، أو توصله بإشارة عضوية .

    من هنا فالكلام لغة ، والكتابة لغة،والإشارة لغة ،كما أن السكوت يدخل أحياناً في نطاق اللغة ، عندما يوصل الساكتُ  بسكوته معنى ما من المعاني، لذلك قال الجاحظ :((…فالصامت ناطق من جهة الدلالة)) (1) ؛ لأنه أوصل للمتلقي معنىً ما ، بحسب القرينة التي تظهر مصاحبة له.

  وفي شان الإشارة قال الجاحظ أيضاً : ((الإشارة واللفظ شريكان. ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه ، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وتغني عن الخط))(2)

    إن المعيار الدقيق في تحديد معنى اللغة ،هو إيصال المعنى ؛ فكل ما أوصل معنى فهو لغة.

    مستويات اللغة:

     تبعاً لتباين مستويات ، وأحوال الإنسان اللاغي المتكلم ، وجدنا تفاوتاً في مستويات اللغةنفسها ، في تشكلها الاستعماليّ التطبيقي عند العرب تحديداً، حيث تظهر لي ماثلة في مستويات أربعة هي التالية:

أولا -اللغة الفصحى: هي التي تحتل أعلى مراتب التعبير العربي  ، حيث تنطوي فيها الشروط  والصفات المثاليةللفصاحة والبلاغة على صعيد المسبوكات التركيبية ، أو المفردات الكلمية ، أوالتوافقات السياقية أوالحمولات المعنوية.

    إن من أمثلة  هذه  اللغة ما هو ماكث بين جلدتي المصحف الشريف ، وفي أشعار الجاهليين ، ونثوراتهم ، فضلا عن مكتوبات فصحاء كتّاب العربية  ،كابن المقفع،والجاحظ ،وأبي حيان التوحيدي ، والرافعي  ، حيث السلامة البالغة ،النائية عن اللحن والتحريف.

 

 

 ثانياً -  اللغةالفصيحة :

 

 هي المستوى الذي تتحقق فيه شروط سلامةاللغة ، في حدودها الدنيامن غير ملامسة حدود اللحن اللغوي ، والتحريف الدلالي.

    يَـمْثُل هذا المستوى من اللغة في أكثر مكتوبات التراث العربي القديم ، وفي كثير من الكتابات المعاصرة ، ككتابات  : زكي مبارك ، وعباس العقاد، ومحمود شاكر ،وشرف الدين الموسوي ، ومحسن الأمين . وغيرهم ممن بدؤوا تعليمهم في نطاق المؤسسات التعليمية الكلاسيكية. كجامعة الأزهر، والقرويين ، والزيتونة ،والحوزات العلمية في النجف ، وقم ،وغيرها.

 ثالثاً-اللغة الثالثة:

هي المتشكلة في الكلام العربي الذي يمتزج فيه صحيح الكلام مع سقيمه ، ويختلط فيه قويم التعابير وتراكيبها مع ما استمْرأ عَوامُّ المثقفين استعماله من كلمات وتعابير وتراكيب عائلة عن سنن العربية،و حائدة عن أصولها ، ومائلة عن تقاليدها،وخارقة لقواعدها سواءً الأصيلة أوالمتولدة من تطويرات صائبة.

   هذا المستوى نراه طاغياً على الساحة الإعلامية بكل صورها ، من صحافة، وتلفاز ، وإذاعةمسموعة ، فضلا عن الكتب البحثية الفكرية ،والأعمال الإبداعية كالروايةوالقصة.

   يصر أتباع هذا المستوى على الإعراض المزمن عن المعجم العربي ، والاكتفاء الشحيح باجتزاء جزء بئيل قليل من الثروة اللغويةالضخمة التي أورثنا إياها أسلافنا العرب.

   إن من المؤسفات أن هذا المستوى اللغوي صار طاغياً مالكا ً لزمام اللغةالعربية المعاصرة ، لاسيما بعد انقراض جيل طه حسين ، والرافعي.

   لاجرم أن مرجع هذا المآل أموركثيرة تعاضدت لإقراره،أرى أن أهمها :

    1- ضعف التكوين اللغوي ، لدى أكثر المثقفين والكاتبين الحدثاء المعاصرين . وهذا وضع أدى إليه ازورارهم عن الدرس اللغوي ، وتنكبهم عن التحصيل البلاغي ، وقطيعتهم مع التراث العربي.

    2-  غزارة وسائل الطباعة و النشر، و تيسّرتداول المكتوبات ؛ الأمر الذي أتاح لكل مخربش أن يكتب ، ولكل متطفل أن ينشرويوزع ، مسهماً بفاعلية في إفساد الكيان اللغوي.

   3- فساد الذوق اللغوي العام ، لدى جمهور القراء ؛ هذا ما استتبع انجرار الكتاب المتمكنين جهة ذلك المستوى ، ونزولهم بمستوى كتاباتهم إلى ما يلائم مستوى العوام من القراء ؛ كيما يضمنوا حسن استقبال مكتوباتهم ، والسلامة عن الركود التوزيعي لما ينشرون.

 

 رابعاً: اللغة العامية:(الدارجة-المحكية)

 

    هي التي تمازج فيها الخطأ مع الصواب ، وتواشج القويم فيها مع السقيم، فانتشأ من ذلك المزيج كيان لغوي هجين ، تبناه أكثر الناس ؛ لسهولة مأتاه ، وتيسر تعاطيه، وتحرر قوانينه ، وميوعة معاييره .

       لقد بسطت العامية نفوذها منذ زمن تليد بعيد ، حيث كان مبتدأ ذلك ماثلا في شيوع اللحن والتحريف وسط التداول اللغوي بين العوام ؛ بتأثير مباشر من طرف الأعاجم الذين دخلوا الإسلام ، واستوطنوا بلاد العرب ، واستوطن العرب بلادهم في ظل تمازج سكاني ، جغرافي منذ أواسط القرن الأول الهجري .

    لقد اغتنى هذا المستوى اللغوي بخصائص صوتية ،وقاعدية ، وتركيبة غزيرة، حائدةعن سنن العربية الأصيلة ؛ فأسهم في ذلك اضمحلال الوعي الثقافي لدى عوام الناس ، وغفلتهم عن أهمية  استعمال لغة سليمة بريئة من التحريفات والتشويهات. 

 برغم كل ما قلنا لا يسعنا إلا التسليم برجوع كثير من خصائص وتطبيقات هذا المستوى العامي إلى أصول  لغوية سديدة مكتسبة لشرعية القبول اللغوي الأصيل؛ ذلك مرجعه إلى أن العلاقة بين العامية والعربية الأصيلة ، لم تخرج عن كونها علاقة أصل بفروع ، تلكم الفروع التي لا تنفك عن أصلها ،ولو لم  تكن وفـيّةً له ، فهي على الأقل لا تزال دائرة في سوائه، و قابعة في ظله .

   ولعل هادي العلوي لم يكن مبالغاً حين قال((إن الجزء الأكبر من قاموس العامية ، يتألف من المفردات الفصيحة لفظاً ومعنى))(3)

   إذاً لا يصح نعت العامية بأنها لا قاعدية مطلقا ، أو بأنها لقيطة بلا أصول. إنما هي لهجات غير فصيحة ، فاقدة للتهذيب القاعدي ،والدقةالتأصيلية ؛ لتمردها عن الأصول والتقاليد الأصلية للغة العربيةالأم التي كانت موزعة إلى لهجات فصيحة تتداولها قبائل الأعراب الأولين .

   لقد عمل بعض الباحثين على تقوية علاقة الفصحى باللهجات العامية ، وتوكيد شدة  الصلة بينهما ؛ في سبيل النظر إلى العامية بوصفها مكوناً من مكونات الفصحى ، أي أنها امتداد تاريخي للهجات القبائل العربية القديمة الفصيحة. كان من أهم من وكَّد هذا في دراساته كل من : حفني ناصف قبل أكثر من مئة عام ، وإبراهيم أنيس سنة 1946م ، وهادي العلوي سنة 1983م.

  تكاد تنحصر مخالفات العامية للفصحى في عدد من  التباينات الصوتية ، والبنائية ، والدلالية . وأهم تلك الاختلافات كانت ضمن الظواهراللغوية التالية :(4)

 

   1-الإبدال : بحذف حرف ووضع آخر بدلا عنه. مثلاً إبدال حرف القاف  كافاً على غرار(G) في الإنجليزية. وذلك في أغلب مفردات لهجات وسط وجنوب العراق ، والخليج ، والسودان ، وصعيد مصر .   كذلك إبدال لفظ القاف همزة ، في عامية مصر وبعض مدن سوريا ولبنان. وكذا إبدال حرف الكاف إلى ما يطابق (CH)  في كلمة (chair) الإنجليزية ، في لهجات الخليج ووسط وجنوب العراق .

    ومن ذلك إبدال الهمزة عينا في بعض مناطق الريف العراقي وبوادي مصر ، والقاف عيناً في بعض مناطق العراق ، والسودان ، واليمن .و في اللهجة الليبية تبدل الجيم زاياً في بعض المفردات مثل: زوز ، أي زوج. وتبدل السين شيناً في كلمة :  شمس،  فتصير سمس.

   2- القلب  : يكون بتبادل مكاني بين أحد حروف الكلمة  ، وحرف آخر في الكلمة ذاتها. من ذلك مثلاً كلمة جبذ ، أي جذب.

  3- النقصان : بحذف أحد حروف الكلمة من ذلك مرا ، أي مرأة ، أو امرأة. وكلمة  وإلاَّ ، تصير ولاّ.

   4- الزيادة : بزيادة حرف إلى البنية الأصلية للكلمة مثلاً رجل تصير عند الليبيين راجل ، وكلمة بع (فعل أمر من البيع) تصير بيع. 

   5- النحت : ويكون بتركيب كلمة من أصل كلمتين أو أكثر . مثلا : أيش أصلها  أيّ شيءٍ. وكلمة قدّاش ؟  أصلها قدر أي شيء ؟للاستفهام .

   6- تغيير الحركات الأصلية: مثلا كسر اللام التي أصلها ساكن في كلمة كلب .وإسكان الحرف الأول من كثير الأسماء مثلاً مُحمد صارت عند الكثيرين مْحِمد بسكون الميم وكسر الحاء . ثم أضافوا خطأ آخر في كتابتها فزادوها ألفاً فصارت  (امْـحمد) . كذلك رحومة، ينطقها أهل ليبيا بسكون الراء ، وأصلها متحركة .

7- التوسع في استعمال أوزان لم تعد مستعملة في لغةالكتابة ،والكلام الفصيح .

    أما على المستوى الدلالي فثمّ ظاهرتان واسعتا الانتشار هما :

1- تضييق الدلالة: من ذلك حصر بعض البلاد لفظةالدابة في الدلالة على الحمار تحديداً .في حين أنها تدل على كل ما يدب على الأرض من الأحياء.

2- توسيع الدلالة:من ذلك إطلاق لفظة حشيش على الكلأ والعشب أياً كان حاله , في حين أنه عند العرب يطلق تحديدا على الكلأ الجاف اليابس غير الرطب كما ذكر الأزهري وابن منظور(5)

أما على المستوى الصوتي فإن أهم ما حوته العامية شيوع الإمالة  ، وتحديداً إمالة الألف نحو الياء إمالة صغرى. وفي بعض اللهجات العامية يمال ما قبل تاء التأنيث . من ذلك نطق كثير من أهل الشام كلمة الدولة ، والمدرسة ، والرحمة.

 معايير بلاغة اللغة :  

 من أوهام العوام ، أن معيار قوة وأصالة اللغة احتواؤها كثيراً من المحسنات البديعية ، وغزيراً من  الكلمات غريبة المعنى ، قليلة الاستعمال ، من التي لا يعلم معانيها إلا من أدمن مطالعة المعاجم .

  إن  هذا مما لا يصلح معياراً للتفضيل ، ولا قسطاساً للتحسين. بل قد يكون دالاً إلى ضعف اللغة ، وهوان بنائها؛ لأن بعض الكاتبين يحاولون التعمية باستعمال المحسنات المتكلفة، والألفاظ  المعجمية المستغلقة ؛ كيما يغطوا ضعفا يتمتعون به في مستواهم التفكيري ، أو التعبيري .

     إن اللغة المتينة ، والبليغة لا تتحقق إلا عند توفر أشرُطٍ معينة محددة ، سواء في الكلمة  المفردة ، أو في الجملة المركبة المسبوكة ، أو في الكلام  المجموع المنظوم .

   لم يتركوا  أهلُ البلاغة الأمر هملاً ، حيث اهتموا ببيان ما يجب لتحقيق بلاغة الكلام ، وفصاحة الكلمة،وبراعةالنظم .(6)

     لقد تقرر لدىالبلاغيين أن الكلمة لا تكون فصيحةإلا بتوفر شروط أهمها:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العولمة وإشكالية الخصوصية الثقافية للأقليات

كتبها خالد المحجوبي ، في 3 أغسطس 2007 الساعة: 13:17 م

 

 

 

العولمة

وإشكاليةالخصوصية الثقافية للأقليات

 

 

 

 

 

 

 

 خالد إبراهيم المحجوبي

 

جامعة الجبل الغربي.كلية الآداب

 

 

 

 

 

 

 

 

العولمة وإشكاليةالخصوصية الثقافية للأقليات

 

خالد إبراهيم المحجوبي

جامعة الجبل الغربي.كلية الآداب

مدخل مفاهيمي:

 

    إذا لم تتحدد المفاهيم ، أصيب الكلام بالميوعة المعنوية ، وأرهق التفكير ، وابتعد التوافق ؛ لأجل ذلك كله سأزجي بين يدي هذا البُحيث تحديداً لمفاهيم أهم المصطلحات والكلمات المركزية التي ينطوي عليها ، وهي : العولمة ، والأقليات ، والثقافة ، والخصوصية الثقافية ، وعناصر الخصوصية الثقافية ، والعملية التأثرية.

مصطلحات البحث :

*العولمة : حركية الكيان العالمي بكل مكوناته ، إلى نحو غير محدود ، بدفع من التطور التقني والانفتاح العلمي ، والهدف المادي .

* الأقليات:هي المجتمعات البشرية التي تعيش وسط مجتمعات أكثر منها عدداً في حال تباينهما على الصعيد الفكري العقدي ،أو الصعيد العرقي السلالي.

* الثقافة : لها مفهومان . المعنى الأول للثقافة هو  كونها كل ما يؤثر في السلوك والتفكير  الإنساني من تقاليد  وموروث فكري ودين ونحو ذلك . أما المعنى الثاني : فهو كونها ما ينتجه الإنسان من وجوه السلوك ، ومناهج التفكير  ، والأفكار والفنون .

 * الخصوصية الثقافية : هي الصفات  الخاصة بمجتمع مما يكسبه تميزاً أمام غيره ، بحيث لا يشاركه فيها غيره.

* عناصر الخصوصية الثقافية :هي المكونات التي تتركب منها تلك  الصفات الخاصة ، التي تكو ن موضوعاً لتلك الصفات

 * العملية التأثرية : أعني بها حدوث تأثير من طرف ما ، يلاقي استجابة بالتأثر من طرف آخر .([1])

 

 ——————————————————

   1- العولمة :

    صار هذا المصطلح من أكثر المصطلحات دوراناً وسط منظومة الدراسات الإنسانية ، والاقتصادية ، والسياسية من لدن العقد الأخير في القرن العشرين .

    ((إن هذا المصطلح من المولدات الحديثة ، صيغ على وزن فوْعلة ، وهي صيغة صرفية تفيد تحويل الشيء إلى وضع آخر غير الذي كان عليه ، ومن أشهر الاستعمالات الحديثة المبنية على هذا الوزن  قولهم (قولبة ، بلورة ، حوسبة ، كوننة ، كوكبة ، أمركة ). فمصطلح العولمة هو ترجمة ونظير للمصطلح الفرنسي (mondiolsation) وللمصطلح الإنجليزي (glabalization) .

    إنها نتاج الصراع والتسابق الطويل بين أقطاب  القوة في المجتمع الدولي ، المتمثلة في عناصره الفاعلة ، المؤثرة تأثيرا ً مطلقا ً كما هو الحال في المثال الأميركي، والأوروبي الاتحادي . إنها إماتة للخصوصية ، وإلغاء للحصرية ، إنها في اختصار ووضوح :تعميم غير محدد، مجاوز للحدود .

   هذا التعميم شامل للمفاهيم والاستراتيجيات والأفكار ، وتطبيقاتها العملية ، فضلا ً عن بناءاتها النظرية . إن ذاك الفعل التعميمي هو ما يعبر عنه الآن بمصطلح العولمة  ، وهو في واقعه كذلك ، عند تحقيقه للإشاعية والذيوعية النابية عن سلطة الحصر والقصر ، والقاهرة لمفهوم وواقع الخصوصية ، سواء العرقية أو الإقليمية . والعولمة بهذا المعنى بدأت في ساحة الفكر ثم في مجال الاقتصاد ، وهذا الأخير هو الذي أشهرها ،وصنع دعايتها وأنهد خطرها في العالم ؛ لكون الاقتصاد أبلغ تأثيرا ً في  العالمين من الفكر النظري .

    العولمة في واقعها صياغة مباشرة للمركزية الغربية بكامل أدواتها وتوجهاتها التي حوّرت العالم ، وأنظمته الطبيعية والإنسانية . إنها اجتياح الحضارة لأهلها

    في ساحة المصطلح يفضل بعض الدارسين إطلاق اسم الكوننة  بدلا ً من  العولمة  ، والواقع أن العولمة أدق مصطلحياً من الكوننة ، فهذه الأخيرة تدخل الكون كله في نطاق التعريف والتأثير والتأثر ، والحقيقة أن  الكون أعصى عن أن يدركه الإنسان ، وأبعدعن أن يحيط به تفاعل إنساني على النحو الذي حدث أواخر القرن العشرين ؛ فسمي بالعولمة))([2])

 

2- الأقليات:

    على الصعيد اللغوي يحمل الجذر (قلل) عدداً من المعاني ، أهمها وأغزرها استعمالا هو كون القلة ضد الكثرة ، فيقال قلّ الشئ يقل قلة وقُلّاً ، فهو قليل وقُلال وقَلال ([3]).

  ولست أعلم قديم استعمال لمصطلح الأقلية ، فهذه الصيغة برغم عودها إلى ذاك الجذر فإنها غير ظاهرة الاستعمال في اللغة العربية التراثية ، التي تطلق على الناس الذين لم يبلغوا حد الكثرة ألفاظ : القلة ، والقليل ، والقليلون . لكن شاع في الكتابات العربية الحديثة استعمال لفظة الأقلية حتى صارت مصطلحاً اجتماعياً أنثروبولوجياً  ضافيَ الاستعمال. وصارت دلالته الاصطلاحية دالةً إلى الجماعة من الناس العائشين وسط جماعة أغزر منها عددا ،ً في حال اختلافهما عرقياً  ، أو عقائدياً  . أو على الجهتين معاً.

   إن الوصف بالأقلية وصف غير ملازم ولاشامل ، بمعنى أنه قد يكون ملاصقاً لجماعة ما أو جنس معين ، من غير أن يلحق الجنس ذاته والجماعة عينها في مكان آخر . من أمثلة هذا أن النصارى أقلية في مصر والعراق وسوريا ،وفي الوقت نفسه ليسوا بأقلية في اليونان وفرنسا وأسبانيا ، كما أن السود أقلية في أميركا ، لكنهم أكثرية في جنوب أفريقيا التي يشكل البيض فيها أقلية . كذلك نجد اليهود أقلية في المغرب وتونس ، لكنهم أكثرية في فلسطين المحتلة .

   إذاً الوصف بالأقلية وصف مفارق غير ملازم للجماعة الموصوفة به حيث تقوم الجغرافيا بتعديلات هامة تجعل من الأقلية في مكان ما أكثرية في مكان آخر ،

    الأقليات مصطلح ديمغرافي صرف ، ليس له –في بنيته- امتداد معرفي فكري ايديولوجي ، كما هو الحال في مصطلح العقلانية ، أو السلفية-مثلاً- . إن النعت والتشخيص الثقافي لا يصلح إلا في نطاق الموجودات المعرفية الفكرية ، كالاتجاهات الفكرية والمذاهب المنهجية فنقول -مثلا - ثقافة المنهج المادي ، أو الثقافة العقلانية ، والثقافة الحضارية ، والثقافة السلفية ، والتقليدية .

    إن كلاً من هاتيك المذكورات تمَّاز بخصائص تميزها وملامح تخصها في بيئتها الثقافية ووسط أطرها المعرفية الواسعة.

 

 

 

أصناف  الأقليات :

    إن شأن الأقليات معقد وأمرها متشابك مموّه ،وفي ظل العولمة بقي من الممكن التمييز بين نوعين رائسيْن من أنواعها ، ولن تفلح العولمة في إلغاء هذا التقسيم النوعي للأقليات .هذا التقسيم يحتوي ثلاثة أنواع  هي :

   1- أقليات عقدَية : وهي التي تشترك مع الأكثرية في العرق ، وتخالفها في العقائد الدينية ، من أهمها النصارى ،واليهود ، والبهائيون ، والآيزيديون .وقديماً كان المسلمون هم الأقلية وسط الأكثرية النصرانية ،والوثنية في ساحة البلاد العربية .

   2- أقليات عرقية : هي التي تختلف جذورها السلالية عن جذور الأكثرية ،  وقد حضن الوطن العربي من هذا النوع كثيراً من الأقليات أهممها : البربر ، والأكراد ، والفينيقيون.

   3- أقليات عرقية – عقدية: يمثلها من خالفوا الأكثرية على مستوى المرجعية السلالية ،والمرجعية العقائدية كليهما ، من ذلك مثلاً ، كثير من المارونيين ، والآشوريين في الشام .

    لقد كان من أهم وجوه تعقد شأن الأقليات ما تشهده من اضطراب في تحديد المرجعية العرقية لبعضها ، وعدم الوصول إلى درجة الحسم في ذلك . ومن أهم المثالات الخلاف الحالُّ في شأن البربر في شمال شرق أفريقيا ، فالباحثون منقسمون إلى مذاهب ، فمنهم من يرجع أصولهم إلى العرب من الكنعانيين ، ومنهم من يعود بهم إلى حام بن نوح  منكراً عروبتهم ([4])، ثم منهم من يرجعهم إلى أصول أوربية وتحديداً من قدماء سكان فرنسا.([5])

  2- الثقافة:

إن الإحاطة بهاته القضية تستوجب تفصيل القول في تحديد واقع مفهوم مصطلح الثقافة

    هي مصطلح عميق الغور متكاثر المستويات ، متشعبة أطرافه ، كل هذا أدى على التباسات مفهومية أصابته فأوصلت على خلل استعمالي ؛ انجرَّت عنه اضرابات نتائجية في سواء كثيرٍ من الدراسات الثقافية والفكرية ؛ حيث تكاثرت الالتباسات بين المصطلحات الحضارية الرئيسة مثل : الحضارة والعمران والمدنية . هذا الواقع يوجب عليّ أن أقدم بين يدي كلامي تحديداً دلالياً يجلي حقيقة مصطلح الثقافة  ؛ حتى إذا ما استعملته فيما بعد جاء كلامي ومقاصدي على درجة من الوضوح مناسبة جلية ، غير ملبسة ولا مربكة .

    إن الاستعمال المعاصر لمصطلح الثقافة - بين الكتاب العرب- يتوزع إلى معنيين هما :

    1- الاستعمال الأول : تفيد الثقافة في هذا الاستعمال مدلولاً يحوي الناصر المنتَجة والمؤثرة ،    والموجِهة للإنسان وتفكيره وسلوكه وطبيعته . فكل ما أثر ووجه هاته الأشياء في الإنسان فهو ثقافة . من ذلك الدين والتراث والتقاليد ، والفنون الموروثة. وقريب من هذا التعريف ما ذهب إليه مالك بن نبي في ككتابه مشكلة الثقافة ([6])

    2- الاستعمال الثاني : يقدم مدلولاً يحيل إلى ما ينتجه الإنسان من فكر وسلوك ، ومنهج تفكير. فكل ما نتج عن الإنسان بحكم تمدنه وتطوره العقلي وتأثره وتأثيره كان هو الثقافة وهذا المفهوم له تداخل نسبي مع المفهوم الأول . وجلي أن الاستعمال الثاني يعاني تداخلا وتشابكاً مع مفهوم مصطلح الحضارة الذي يعاني بدوره من سوء الاستعمال في الكتابات العربية التي لا يهتم كثير منها بضبط المفاهيم ودقة الاستعمال . 

     يجب عليَّ أن أنبه بشدة إلى وجوب تحديد معني مصطلح الثقافة ، عند الكلام على الأقليات ، فالثقافة لها معنيان بحسب الاستعمال العربي للمصطلح ، فيجب تحديد أي المعنيين هو المراد بالكلام ؛ حتى ننأى بكلامنا عن الخلل في الطرح والاستنتاج ، ونبعد عن الخلط المموه .([7])

 

 

خصوصية  ثقافة الأقليات بين الواقعيةوالوهمية:

    إن القهر، والاضطهاد ،والانتقاص ،والمعاناة ، كل هاته المعاني تسنح بوضوح عند الكلام على الأقليات في أي مكان ، سواء بحق وإنصاف ، أوبظلم وانحراف .

   وظاهر أن أحوال وثقافات الأقليات من أكثر المواضيع استقبالاً للخطأ وأبعدها عن الدقة والحقيقة ؛ فالتصورات الخارجية عنها ، تسبق -عادة-المعالجات الموضوعية لها ، وهو ما حدث لي شخصياً  فأول ما سنحت لي الكتابة في هذا الموضوع(ثقافة الأقليات) تسابق إلى ذهني تلكم المعاني التي تتواجد عند طرق موضوع الأقليات : القهر الاضطهاد الانتقاص المعاناة ، وبُعيد هذا مباشرة تشكلت لديَّ صورة أولية مفادها أن لثقافة الأقليات خصوصيات عميقة وملابسات دقيقة ،  وتباينات جذمية أمام ثقافة الأكثرية  ، وأنها غير قابلة للتبديل والزوال .

    بعد تأنٍ ، وتأملٍ ، وتروٍ ، وتمهلٍ ، وتردد ، أمام َ وفي ، وعند هذا الموضوع ؛ ترجح لدي وتقوّى أنْ لاشئ واقعياً اسمه خصوصية ثقافة الأقليات ، هذا إذا فهمنا مصطلح الثقافة بعناه الثاني –أي النتاج الأدبي والفني والفكري - .أما إذا فهمناه بمعناه الأول فإن الخصوصية الثقافية توجد منحصرةً في صور من التراث الخاص ،والفلكلور المحدد ، والعوائد المعينة . ولنضع أمامنا الآن المعنى الثاني .

    لا أتصور أن في نتاج الأقليات ما يتباين  بوضوح مع نتاج الأكثرية ، سواء في النتاج الإبداعي كالشعر والقصة والرواية ، أو الإنتاج الدراسي البحثي  الفكري ، فالمعاني الموجودة في إبداع الأقلية متوفّرة في إبداع الأكثرية . وهذا طبيعي في حالة توحد المناخ التأثيري ضمن البيئة الواحدة فكرياً وجغرافياً لكل من الأكثرية و الأقلية ، فليس عندنا أقلية منعزلة جغرافياً وثقافياُ وفي معزل عن تأثيرات التلاقح الحضاري والفكرية الشامل الذي لايخضع للاختلافات العرقيةوالدينية والسكانية . والنتائج الدراسية البحثية إنْ تباينت بين باحث من الأقلية وآخر من الأكثرية ، فإنه تباين لن يفوق حجم ذلك  الذي قد يقع بين باحثين من وسط الأكثرية ، أو داخل الأقلية ذاتها ، هذا في حال انبناء الدراسة على  الموضوعيةوالأمانة .

    ليس في الممكن تحديد وتمييز الإبداع والإنتاج المعرفي بناء على تحديد المكانة الديمغرافية أو العرقية لصاحبه .فلم يعرف التشخيص  الأدبي والتأريخ الفكري أدباً مسيحياً-مثلاً- مقابلا للأدب الإسلامي ، أو أدبا للسود أمام أدب البيض ، أو أدباً وعِلماً كردياُ مقابلا للأدب والعلم العربي  .وهذا واضح في التراث العربي الإسلامي الذي انصهرت فيه كل الأصناف والأعراق التي حواها سياج الحضارة العربية الإسلامية تحت إشراف الدين الإسلامي .

    إن التمييز في مثل هاته الحالات ليس غير تكلف وعبث ، شبيهٌ به التمييز بين الأدب النسوي والأدب الذكوري . ومن المتاح هنا عند ذكر النساء والذكور أن نتصور علاقتهما علاقة أقلية بأكثرية  .

     إن تعبير (خصوصية ثقافة الأقليات) يبدوا أمامي مغلوطاً مموِّهاً ،وقد لا أكون مبالغاً لو قلت إنه تعبير لقيط ؛ فلا شئ واقعياً –كما أسلفت-اسمه خصوصية ثقافة أقليات-بالمعنى الثاني للثقافة- لأن الواقع يصرخ في وجوهنا بقوله: أتحداكم أن تظهروا تمايزاً حقيقيا جلياً بين عناصر خصوصية ثقافةٍ لأقلية عائشة وسط أكثرية ، وبين عناصر خصوصية تلك الأكثرية.

    لقد كان لويس عوض  ، وسلامة موسى ، وشبلي شميل -مثلاً-، من أقلية وسط ساحة الثقافة العربية الإسلامية ، نصرانيان في مصر، ولا ديني من الشام ، وكثير غيرهم ممن يسميهم محمد عمارة (( الموارنة الشوام)) [8].   لكن هل يمكننا لمح أو رؤية تمايز حقيقي أو خصوصية فارقة بين ما أنتجوه وبين ما أنتجه أدباء وباحثو الأكثرية المسلمة مثل طه حسين ،  والصادق النيهوم ، وسيد القمني مثلاً؟.

   أما عند النظر للثقافة بالمعنى الأول ، فإن خصوصيةثقافة الأقليات هي أمر واقع لاريب في وجوده ، منطوياً على خصوصية منسبغة على عناصر كثيرة تمارسها وتحضنها الممارسة الاجتماعية للأقلية ، ومن تلك العناصر الثقافية ما هو من التقاليد والعوائد ، كهيئات اللباس ، واللغة ولهجاتها ، والسلوكات العائلية ، وطقوس الزواج ، والاحتفالات الخاصة.

من أوازم الأقليات:

   عاشت الأقليات –في كل مكان – أسوأ أوقاتها أسوا أحوالها في ظل الثيوقراطية المنحرفة ، سواء في ظل التعاليم المحرفة للنصرانية واليهودية ، فضلاً عن الشوائب التي ألصقت بدين الإسلام من طرف بعض المستفقهين والمتطفلين على ساحة العلوم الدينية . إذاً لم تسلم الديانات الثلاث من أطراف ألصقوا بها مكاره العنصرية والتمييز غير المشروع . فاليهودية صارت بجهود حاخاماتها ديانة عنصرية بامتياز ،أما النصرانية فأضحت حسب تطبيقات كنائسها ديانة عنصرية قمعية وتحديداً في آخرات العصور الوسطى ، أما الإسلام فقد تأثرت شريعته السمحة النقية ، حيث شابها وكدرها تشويه من طرف أكداس من أدعياء العلم ، ومن المقلدين في المجال الفقهي  ؛ فظهر- بجهود هؤلاء - في صورة ديانة عنصرية أيضاً لاسيما تجاه اليهود والنصارى، حيث شاع في كتب الفقه ، والفتاوى العملية للحكام  ، إلزام أقليات أهل الكتاب بمظاهر مزرية منها –من باب التمثيل – إلزامهم بوضع رقاع بيضاء على كل منها صورة قرد ، وجعل ألواح على أبوابهم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأصولية : طبيعتها ومباعثها

كتبها خالد المحجوبي ، في 3 أغسطس 2007 الساعة: 13:12 م

الأصولية

طبيعتها  و مباعثها

خالد إبراهيم المحجوبي

جامعة الجبل الغربي /غريان

المفهوم والتشكل

   مصطلح الأصولية ، في بنيته اللغوية قديم الاستعمال ، وتحديدا في كونه جمعاً  لكلمة أصل (*)، أضيفت له ياء النسبة المتلوة بتاء التأنيث. أما على المستوى الدلالي فنحن نجده اليوم دالاً إلى  ثلاثة مفاهيم ، واحد منها قديم واثنان حديثان حسب التوضيح التالي :

     المفهوم الأول: استعمل مصطلح الأصولية قديما منذ القرن الثالث الهجري ليكون نعتاًللقواعد المعتمدة لاستنباط الأحكام الدينيةمن النصوص ، ضمن علم أصول الفقه  .حيث شاع تتسميتها بالقواعد الأصولية . وهذا استعمال ثراثي قديم لا يزال حياً .

    المفهوم الثاني : استعمل وصفاً للتوجه الفكري  القائم على الاعتماد إلى المنابع الأساسية للدين والاشتراع . وهو بهذا المعنى ليس حكراً على الساحة الدينية بل لكل ساحة معرفية يكون لفكر الإنسان فيها وجود وعمل. وهذا استعمال حديث لم تألفه الكتب التراثية .

   المفهوم الثالث : تم استخدامه وصفاً لكل فكر تميز بالغلو والتطرف ، لاسيما في المجال الديني. وهذا استعمال غربي أدخلته الترجمة إلى الكتابات العربية الحديثة  ؛ فتبنته مستغنية به عن المصطلحات القديمة من قبيل التشدد ، والتنطع ، والغلو.

   كثيرا ما نشهد اعتراضا من بعض الدارسين العرب على استعمال الأصولية بالمفهوم الثالث هذا ، حيث يعترضون قائلين إن الإسلام ليس فيه أصولية ،  إن الأصولية ليست  من صنع الإسلام  إنما من صنع بعض المسلمين الذين ابتلي بهم الإسلام . وهذا واقع ليس في الطوق غمطه ونكرانه. وأنا في هذا المقام سأتبنى المفهوم الثالث ؛ فحين أقول أصولية سأعني تلك الظاهرة الفكرية والسلوكية التي تنحو إلى الرجوعية في ظل الغلو ، والتشدد الديني على غير بصيرة .

   الأصولية بهذا المعنى أضحت ظاهرة فكرية ، واجتماعية ، أي أنها اتخذ مستويين : سلوكي ،ونظري . إنها ظاهرة عالمية غير منحصرة بقيود التاريخ ولا محددة بحدود الجغرافيا ، يوكد ذلك وجودها الجلي في الديانات الكبرى : اليهودية والمسيحية والإسلام ، فضلاً عن الهندوسية.

   ففي اليهودية تحركت الأصولية تحت عباءة الفريسيين ، ثم السامرة ، في اعتماد على أصولهم المبثوثةفي : سوفيريم ، وكالا ، وديريك إيريس ، وسيماهوت ، والميخيلتا ، والتوسيفتا، ونحو ذلك من مصادر التطرف والأصولية اليهودية.

   وفي المسيحية قادت البروتستانتية الأصولية فيها ، قبل أن يتشظى المنحىالأصولي إلى تشكلات صغيرة ملأت القرنين الأخيرين في أوربا وأميركا .

   أما في الإسلام فقد أوقدها الخوارج ، ثم توزعت بنسب متقاربة بين الفرق والطوائف الإسلامية،من غير أن نستثني إحداها.

   أما على المستوى التاريخي للوجود الأصولي الديني العالمي ،  يرجع بعض الباحثين الأصولية إلى الحركة الألفية البروتستانتية التي ظهرت في القرن التاسع عشر في أميركا (2). والواقع إن الظاهرة الأصولية أقدم من هذا التوقيت بطويل من الزمن .

    إن الأصولية ظاهرة فكرية ، اجتماعية ، نفسية. بمعنى أنها نشأت بتأثيرات توزعت على هاته المستويات الثلاث أي : الاجتماعي ، والنفسي، والفكري . ولعل أقدم تشكل فعلي لحركة أصولية هو ما شهدته الديانة اليهودية خلال طروحات طائفة الفريسيين ،و طائفة السامرة  .

   أما عند المسيحيين فقد تولى البروتستانتيون لواء الأصولية فيها . وفي العصر الحديث بدأ التشكل التنظيمي للأصولية في وسط الساحة المسيحية ، حين عقد أوائل القرن العشرين عدد من المؤتمرات ؛أفضت إلى خلق بعض المنظمات التي كان أهمها في أميركا جمعية الكتاب المقدس سنة 1902م وقد أصدرت اثنتا عشرة نشرة بعنوان الأصول( fundamentals) .وقد تبنت التفسير الحرفي للإنجيل معترضة على تأويله ، أو نقده . ثم تأسست سنة 1919م المؤسسة العالمية للأصوليين المسيحيين والاتحاد الوطني للأصوليين ( 1).

   أما في الإسلام  فقد كانت البادرة الأولى للفكر والسلوك الأصولي ماثلة في تمرد الخوارج  الذين أسندوا انشقاقهم بمساند تنظيرية  شكّلت المنطلق الذي انطلق منه الفكر الأصولي في الإسلام .

  إن الموقف الأصولي ينطلق من فرضية حدوث انحراف أو ترك للأسس والأصول الأولى المعتمدة عندالسلف . هاته الفرضية في ذاتها ليست خاطئة ، بل لها نصيب وافر من الواقعية. التي أسهم في تعميتها سوء المنهج المتبع في إصلاح ذلك الانحراف .وقد كان من أهم معايب ذلك المنهج قيامه في ظل النـزعة الوثوقية ، والارتدادية المتوجسة من فتح أبواب النظر ، ونوافذ التمعن. إن تبني مثل هذا المنهج فيه إماتة للأحياء ، وإحياء للأموات ، حيث الإعراض عن أهل الحياة ، والاتكاء على القبور –أي علىالعلماء الميتين- الذين لا أدعوا للانبتات عن نتاجاتهم وأفكارهم ، إنما أعيب الاكتفاء بها ، والاغتناء بما حوته مما يراه الأصوليون الملاذ الأوحد ، والمسند الأجود.

 

 بواعث الأصولية:

يمكث وراء الفكر الأصولي بواعث ، أراها المسئولة عن تولد ونشاط هذا الفكر . ت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

آلية التأويل في منهج الصادق النيهوم

كتبها خالد المحجوبي ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 18:25 م

آلية التأويل

في منهج الصادق النيهوم

 

إعداد:

خالد إبراهيم المحجوبي

عضو هيئة التدريس بجامعة الجبل الغربي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

موجز البحث

 

 

في هذا البحث سأتعرض لآلية التأويل بوصفها إحدىالتقنيات التي اهتم الفلاسفةوالمفكرون باستثمارها في سبيل مقاربةالنصوص المقدسة ، حيث لم ينحصر استعمال ا لتأويل في ساحة دون غيرها .

ويركز هذا البحث على ما قدمه النيهوم من آراء تصب في ساحةالفكر الفلسفي الليبي المعاصر .

ويركز هذا البحث على التطبيقات التي أعملها النيهوم باستخدام التأويل في مقاربته للنص القرآني. سأتعرض لما توصل إليه النيهوم مت فهوم وآراء مع ما شابها من قصور من خلال منهج نقدي . وقد توصل ابحث إلى أن في منهج النيهوم التأويلي عدد من نقاط الضعف وهي المتعلقة بآرائه التي توصل إليها ، أما نقاط الضعف تلك فهي  :

 

  1- قيام آرائه على أساس ٍ من النزعة الوثوقية الدوغمائية ، القاطعة، المصادرة لاحتمال الخطأ في الطرح .

   وهذا العيب هو من أكبر معايب الفكر الديني الكلاسيكي ، وها نحن نرى أن الفكر التجديدي واقع فيه أيضاً من خلال مثال النيهوم.

    2-افتقارها إلى مقومات ومسوّغات القبول العقلي ، بناء على افتقاره إلى الحجج والقرائن التي يمكنها اقناع القاريء بقبول تلك البدائل الفهمية التي تولدت عن إعمال التأويل والترميزبديلا عن الفهم المتبادرمن ظواهر العبارات.

    3-عدم اتفاقها بعامة مع قوانين وأنظمة اللغةالعربية التي هي لغةالنص القرآني الحاكمة على أبواب فهمه واستيعاب دلالاته

   4- مصادمتها الأنظمة السياقية التي تعلقت بها، واصطناعها لذلك قطيعة مستعصية عن الجمع مع مقتضيات السياقات التي حوت مواضيع التأويل والترميز  5- اعتمادها على لغة وتعابير تجريديةمنطوية على حُمُولات ثقيلة من الغموض والإبهام.

 

 

 

 

 

آلية التأويل  في منهج الصادق النيهوم

 

خالد إبراهيم المحجوبي

عضو هيئة التدريس بجامعة الجبل الغرببي /غريان

 

مدخل :

يرجع مصطلح التأويل إلى الجذر(أ و ل)ومن تصاريفه آل يؤول أوْلاً، أي صار إلى كذا .ومنه المآل أي العاقبة والمصير.وآل يؤول مآلاً بمعنى رجع .وأوّل الشيء يعني  رجعه وأعاده.وأُلتُ عن الشيء أي ارتددت عنه.(1)

    أما مدلوله الاصطلاحي فلا يخرج عن صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر غير متبادر ، وبعبارة ابن رشد ((إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية ، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب من التجوّز من تسمية الشيء بشبيهه أوسببه، أو لاحقه أو مقارنهِ))(2).

    إن من مباعث أهمية التأويل تمثيله للوجه الآخر للنص(***)، أو الاحتمال الثاني للفهم ، ومن هنا فالتأويل آلة إيصال توصل المعنى للناظر ، أو توصل الناظر إلى المعنى من الطريق الخلفي للعبارة ، وبرغم كونه طريقاً غير مباشر فإن النيهوم عدّه طريقاً رئيساً لاسيما عند ارتهان الفهم المأمول بالنص القرآني بالذات.

    إن عملية التأويل غير محصورة في نص معين ، أو دين محدد ، أو نخبة منحصرة بل هي إجراء فكري لغوي لايجبُن عن اجتراحه أيّ أحد سواء بكفاءة أومن دونها .

    وللتأويل امتدادات زمنية سابقة للإسلام والقرآن .فقد ظهر في سواء الفلاسفة الإغريق حيث سنحت إجرائية التأويل لدي الفيثاغوريين، والأفلاطونيين ،وفي نصوص الميثالوجيااليونانية .ثم استشرى التأويل بين خواص يهود الإسكندرية قبل ظهور المسيح ببضعة عقود، فقد أثر عنهم تأويل ٌلقصة بدء الخلق حسب ورودها في التوراة (**)وذلك قبيل ظهور فيلون الإسكندري المتوفى سنة50م، الذي يمكن عده عمدة مؤولي النصوص الدينية ورائد التطرف التأويلي ؛لجنوحه بصفة مبالغ فيها نحو التأويلات المجازية الموسع فهو يرى((تقريبا كل ما هو خاص بالعقيدة من نصوصٍ، له معنى مجازي يهدي إليه)) (1).

    وفي نطاق المسيحية الحديثة نظر البروتستانتيون إلى الإنجيل نظراً عقليا تأويليا ً (2).

   وليس عجيبا أن ينال التأويل هاته المكانة لدى كل الطوائف والأديان فهو موقف عقلي فكري ، غير خاضع لأظرف الزمان والمكان ،إنما خضوعه للعقول وتراكيبها ، والفهوم ومدخلاتها ، فضلا عن توجهه وخضوعه للمرامي الغرضية الخاصة.

   وقد احتل مكاناً رابياً في سواء المسلمين حتى عده الإسماعيليون من أساسات الشرع .

   ونحو ذلك كان موقعه لدى كثير من المتصوفة، والفلاسفة التوفيقيين، وقد قال عنه ابن رشد إنه الأمانة التي حملها الإنسان وذكرها الله قوله {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان}(***)

وفي سياق الفكر المعاصر نجد المفكر الليبي الصادق النيهووم قد اعتمد على تقنية التأويل اعتمادا رائسا في سبيل استكناه حقائق النص القرآني

    وفي إطار النص الإسلامي المقدس جاء التأويل منبعثاً بدافع ملحٍ هو تحقق وجود المتشابه في القرآن مما صرح الله بوجوده في قوله {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات}(*) ثم قوله{وما يعلم تأويلَه إلا الله}(**).

   وفي هذا إشارة إلى أن التأويل متآصر مع المتشابه بعلاقة ثبوتية.

    والمتشابه هو اللفظ الحامل معنى غير جلي مما يجعله مجالا للاختلاف الفهمي ، فوقع لذلك ما عبر عنه الشاطبي بقوله: ((تسليط التأويل على التشابه))(1).

لكن الذي حدث كان إلى مسار آخر ، حيث امتد نفوذ التأويل إلى ساحة المحكم أيضاً(***)، وهذا مسلك انحرافي خطر في سياق جدلية النص والمتلقي ، بل في علاقة الله والإنسان ،وهذا ما سماه الدهلوي ((الاحتيال لدفع الدلائل القرآنية))(2).وقد تولى تثبيت وتنظيم هذا الانحراف بعض الفرق  الإسلامية الغالية ، التي أهمها : الإسماعيلة ، والعلوية، وغلاة الصوفية النظرية، والبهائية، ثم ثلة من ممثلي التيار التجديدي للفكر الديني أمثال : الصادق النيهوم ، وروجيه غارودي ، ومحمد شحرور، ومن ثم  سيقَ التأويل إلى مراكز القواعد العامة والأصول الثابتة للدين ، برغم توكيد أكثر العلماء على أن التشابه المستجلب للتأويل ((لايقع في القواعد الكلية ، وإنما يقع في الفروع الجزئية))(3).

    ولقد ضرب هذا الانحراف التأويلي قواعد اللغة وضوابط التأويل ضربة مُقصية  تتمثل دوافعها في أمور أهمها: إما مرجعيات غنوصية ،أو انحراف عقدي، أو شذوذ فكري مُغرض أو بريء.

 

وقد أ وصل كل ذلك إلى حالة من الاضطراب في الشريعة ، والتشتت التنافري بين الطوائف والأفرقةفي الإسلام ؛ وهذا [1]ما جعل ابن القيم  يقول:((فأصل خراب الدين والدنيا إنما هوالتأويل الذي لم يردْه الله ورسوله بكلامه ))  (1)      

     ولما ظهرت هذه الأدواء عمل بعض العلماء على وضع عواصم وقائية للحؤول دون توظيف التأويل لمهم غرضية زائفة وضارة.وقد تمثلت تلك العواصم الوقائية في بعض الأشرط والضوابط المنظمة للتطبيق التأويلي ، كان أهمها (*): 

    1-أن يكون لأي رأي تأويلي وجه ومسند في لغة العرب.

    2-أن لا يُصار إليه إلا لضرورة ، كتعارض العقل مع النقل ، أو احتمال النقل تفسيرا غير لائق بالذات المقدسة .

    3- أن لايشاع في الكتب الجمهورية ، وعلى مسامع العوام .

    4-أن لايكون التأويل مصادماً لنص آخر صريح الدلالة. 

    5-بيان دليل الصرف عن الظاهر.

    إن تيار التجديد الجذري للفكر الديني يتولى دعوة رائسة تحوي التوكيد على فتح موسع لاجتهادات مطلقة تهطل على (البنية النصية للإسلام)-القرآن-كما يرمون إلى إلغاء مرحلية ومركزية الفهم الديني ،بمعنى عدم الاعتمادعلى مرحلة ما ،فضلا عن عدم حصر الاستقاء الفهمي من النص منعزلاَ عن الواقع ،إن هذه السبيل كفيلة بمصاقبة ودرك حقيقة الدعوة الدينية، وتحقيق مراد الشارع الحكيم، كما أ ن الازورار عن هاته المنهجية التجديدية سيسوق إلى ما وصفه طيب تيزيني بأنه((عزل الإسلام عن عملية التدفق النوعي لتقدم التاريخي[حيث يحصل]التفريط بروحه ووهجه لحساب لفظه ورماده))(1).

    إن إهمال تطبيق المنهج سالف الذكر ، أمر سيدخل المفكر الديني في ((حالة من الاغتراب الواقعي والذهني))(2)حيث يؤول عائشا َ في غير حينه، ومفكرا َبغير عقله.

    وفي نطاق محاولات استثمار التأويل يعمل كثير من الباحثين المعاصرين على إرساخ فكرة وجود مستويين للنص الديني هما:((نص ُّتنزيل ، ونص تأويل…ذلك لأن النص المقدس ما أن انتقل من فضائه الإلهي إلى الفضاء الإنسان ؛ حتى أخذ يعيش حالة من التشظيّ  الدلالي..عبر البشر الفرادى والمجتمعين))(3).

    إن ما يدعوا إليه هذا الرأي هو ذاته ما تبناه النيهوم قبل عقود ، وطبقه عمليا في حنايا طروحاته المستندة إلى فكرة رمزية  النص ، في اقتناع محكم بأن ما وراء اللفظ هو أفضل آلات الفهم  (*)ويطلق النيهوم مصطلحا خاصا لما وراء اللفظ يسميه((الحد اللفظي الواسع))كما يسميه((التناسق تحت سطح الكلمات))(4).وهو يرجع كون ذلك إحدى علامات المعجزة في القرآن.

 

(النيهوم وآلية التأويل)

لقد اتخذ النيهوم آلية التأويل يوصفها وسيلة من وسائل التجديد في فهم النص الديني ، وذريعة إلى توليد معان ومفاهيم ملائمة ومقنعة لعمق التساؤل والفضول الذي وصله العقل الإنساني والإسلامي خاصة الذي لم يظل ساكناً ولا راكداً طوال القرون الأربعة عشر السالفة .

    إن هاته الحركية للعقل والتجديد في التفكير اقتضت أن يعتصر النص المقدس وأن يستثمر إلى درجات لم يصلها الأسلاف الأولون ، فالعقل المعاصر لم يعد قانعاً ولا مكتفياً بما قيل باستثناء ما نجده من قنوع واكتفاء في المدارس والمذاهب السلفية التي تري أن كل شئ قد قيل ، وأن واجب ومهمة الناس لا يجوز أن تتجاوز السماع والإتباع لما قاله الأولون .كماهو عند أبي زرعة ،وابن رجب الحنبلي وكثيرون غيرهم –رحمهم الله-.

    نحن هنا لا ننكر فضل الأوائل ولا نغمطهم  حقهم في الاحترام ووجوب الاهتدآء بهم والاستعانة بمفهومهم واجتهاداتهم .

   لكن الذي لا يمكن لنا قبوله هو أن تنظر إليهم نظرة تقديس يسبغ عليهم  العصمة ويصادر عنهم فطرة الخطأ البشري ، وأن نجعل كلامهم في مصاف كلام الله ورسوله . من حيث الإلزامية الاتباعية وافتقاد الاختيارية .

    أقول هذا وأمام عيني قوله وتعالي }وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم{سورة الأحزاب .الآية36

وأمامي قول ابن حزم (لاحجه فيمن دون رسول الله).

 

 

 

 

 

 

 

 

    لقد انطلق النيهوم من منطلق تجديدي هادف إلى تقديم اجتهادات وأفكار تقنع نوعاً من العقول التي لم تستسغ الطروح القديمة السالفة ، في منهج مقاربة النص المقدس ، فضلاً عن الآراء والفهوم المستخرجة من ذلكم النص ، مما امتلأت به كتب التفسير، والعقائد ، عند المسلمين .

    وقد ظهر بوضوح ضيق كثير من المفكرين المعاصرين من تلك الفهوم السالفة،  وافتقادهم القدرة على التواصل والتآزرمعها .[2]

إن التأويل عند  هؤلاء هو المنفذ الأخيرُ والوحيد الذي يمكنهم دخوله قبل حدوث الاصطدام القطيعي مع النص ، هذا الاصطدام القطيعي ليست له إلا نتيجة واحدة هي البراءة من النص ، والتحلل من إطاره . على النحو الذي وصله صادق جلال العظم ، وغيره .

لقد جاء التأويل ليكون الوليجة الأخيرة التي لجأ إليها أصحاب مدرسة التجديد الجذري في الفكر الديني .

 

    ولا يخفى مدى تمسك النيهوم وإصراره على القول بانطواء القرآن على الدلالات والمفاهيم التي استخرجها بوسيلة التأويل . وهي دلالات مثلت بدائل متاحةمكنته أن يستبدلها بكل معنى غير موائم لماعليه منظومة قناعاته وأفكاره.

    إن أكثر ما سلف قوله عن التأويل يجب سحبه على الرمز والترميز(**)، وبخاصة اشتراكهما في القيام على فرضية مكوث المعاني وراء بناءات العبارات.إن كليهما قائم على صرف المعنى الظاهر ، لصالح معنى آخريسنح للناظر الباحث ،من هنا لست أستجيز النظر إليهمابوصفهما آلتين متباينتين للفهم وإدراك المدلولات ، لاسيما أن الرمز لم يحظ بتعريف اصطلاحي ، ولم يتشكل له مفهوم تواضعي كما تشكل لمصطلحي : التأويل والمجاز، وكلا الرمز والتأويل من مظاهر المجاز الذي هو ظاهرة لغوية أصيلة متجذرة في العربية ، يتم بها تجاوز ظاهر الدلالات المتبادرة ؛ لأجل الظفر بدلالات بديلة قصدها المتكلم بوجه غير مباشر حيث وضعها في قفا اللفظ الذي حملت واجهته الدلالة غير المرادة (*)، وهذا التوجه اللغوي التعبيري هوذاته المعبر عنه بمصطلح (المثل أ و الأمثال )قبل تشكل وظهور مفهوم المجاز عند البلاغيين ، لذلك كان(( مصطلح المثل أكثر المصطلحات شيوعا للدلالة على العبارة أواللفظة التي لايراد بها ما وضعت له في أصل اللغة))(1).

    إن التعامل الفهمي مع النص القرآني –لدى النيهوم-متوجه على نحو شبه تام بقيادة الفهم الرمزي التأويلي (**).وشواهد هذه الحقيقة ماثلة في كثير من مكتوباته (***)بناء على قناعة ثابتة عنده فحواها –كما صرح نفسه-أن ((الرمز هو وسيلة الكتب المقدسة …لنقل الفكرة إلى الخارج ))(2)، وهذه فكرة لايحتكرها النيهوم بل هي مستشرية بين كثير من أفراد تيار التجديد الجذري للفكر الديني، ومن هنا يقول أحدهم أن من طبيعة القرآن والكتب المقدسة الاكتساء بالغموض ،واعتماد ماوراء اللغة الظاهرة باعتماد التراكيب الرمزية ، بل إن التنزيل في الإسلام –حسب قوله-يستند إلى رمزية الكتاب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جدلية الفلسفة والدين

كتبها خالد المحجوبي ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 18:09 م

 

 

جدلية الفلسفة والدين

دراسة في طبيعة ،ودوافع ،وآثار  المنهج التوفيقي عند فلاسفة الإسلام

 

 

 

====================================================

 

خالد إبراهيم المحجوبي

عضو هيئة التدريس بجامعة الجبل الغربي / غريان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدلية  الفلسفة والدين

                    ————————–

خالدإبراهيم المحجوبي

مدخل تمهيدي:

 

     انطلقت الفلسفة العربية الإسلامية انطلاقةً مسالمةً مهادنةً أمام الدين ، بل كانت انطلاقتها متطامنة إلى حدٍ جاءت فيه مسخرةً لخدمة الدين ، لاسيما من خلال علم الكلام الذي هو الخطوة الأولى للفلسفة العربية الإسلامية .

  فعلم الكلام هو أول ساحة تشهد صولات دقيقة للعقل المسلم على نحو مجرَّد قبل الدخول إلى أعماق ساحات الفلسفة ، أعني ساحات الإبستمولوجيا ، والانطولوجيا ، والأكسيمولوجيا ،

ففي مرحلة علم الكلام " انصرف اللاهوت إلى استخدام الأقيسة المنطقية، والمحاكمات الفلسفية للذود عن التوحيد " [1]

   وبعد تجاوز مرحلة علم الكلام تطور النظر الفلسفي عند المسلمين فشمل تراث الإغريق ، والهند ، وفارس ، فوقع بين أيديهم وتحت أنظارهم نظريات وأفكار صادمة لكثير مما قرره النقل الديني ،  ذلك النقل الذي كان من القوة بمكان عالٍ ؛ جعل فلاسفة المسلمين ينحوْن تجاه اعتمال منهج توفيقي بين الفلسفة ، و الدين ،وبتعبير ابن رشد بين الشريعة ، والحكمة .

وقد سيطر هذا النهج التوفيقي على الفلسفة الإسلامية سيطرة شاملة ، من لدن الكندي مرورا بالفارابي وابن سينا  ، وصولا إلى ابن تيمية. مع التحرز في وصف هذا الأخير الفلسفة  يظهر لي أن ذلك النزوع التوفيقي ما هو إلا شكل  لاستراتيجية بقاء ، أو خطة لاستمرارية الحياة ، لكثير من أصحاب العقول المتحررة عن القيود و ضوابط ووثوقيات الدين، من الذين أخفتوا ولم يصّرحوا بمخالفة تلك الضوابط والوثوقيات المحملة وسط النص المقدس الإسلامي، سواء في الحديث الإلهي، أو الحديث النبوي.

   إن قضية التوفيق بين الدين، والفلسفة هي من شواغل التفكير القديم والحديث سواء في الساحة الإسلامية ، أو الساحة اليهودية، أو المسيحية ، فقد انشغل بها فلاسفة من أوربا المسيحية لعل أشهرهم (سبينوزا)  الذي كتب كتاباً شهيراً هو : (رسالة في اللاهوت والسياسة) ، ليبحث فيه جدلية الفلسفة والدين ، وبتعبير آخر : جدلية العقل واللاهوت .

وقد خرج (سبينوزا) بنتائج منها وجوب الفصل التام بين كلا الطرفين وبتْر كلّ وشيجة قد تربطهما ،وقال بأنْ لا صلة تقرنهما  ، وأن كلاً منهما يمثّل طريق سعادة لأهله ، كلٌ في مجاله فلا يعارضه الآخر في شيء . ([2])

وقد وجدنا في تراثنا الإسلامي رأياً مشابهاً لما ذهب إليه (سبينوزا) ذلك الرأي هو الذي تتباه بشدة ( أبوسليمان السجستاني) الذي أوجب الفصل التام بين الطرفين كليهما ، لما بينهما من اختلاف متجذّر في: الغاية ، والطبيعة ، والمصدر .([3] )

   وقد قدم السجستاني نقدا لاذعاً لمنهج إخوان الصفا ، رافضاً نزوعهم التوفيقي فقال فيما حكاه عنه التوحيدي : ((تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا ،…ونسجوا فهلهلوا …ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع .ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة …في الشريعة، وأن يضموا الشريعة للفاسفة .وهذا مرام دونه حدد ))([4])

   وبرغم ذلك ظل الرأى السائد أن لاتعاض بين الفلسفة والدين وأكد أكثر الفلاسفة المسلمين عدم إمكانية حدوث ذلك الضرب من التعارض  ([5]) وكتبوا في توكيد هذا المذهب الكثير .

 إن النظر في الفلسفة الإسلامية يوكد أن مرتكزها، وهمّها الرئيس كان متشكلاً في تشخيص ومعالجة العلاقة بين النظر الفلسفي، وبين النقل الديني، أو بين الحكمة وبين الشريعة حسب تعبير ابن رشد الذي كتب في ذلك كتابيه الشهيرين: (فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال )و(الكشف عن مناهج  الأدلة في عقائد الملة) ، فضلا عن مباحث هامة في كتابه (تهافت التهافت)الذي أكد فيه افتقار الغزاّلي إلى العمق المنهجي ، والاطلاع الفلسفي اللائق.وقد أجهد ابن رشد نفسه  فيه ؛ليؤكد انتفاء التعارض بين الدين، وبين الفلسفة العقلية([6])

    إن العلاقة بين النظر الفلسفي ، وبين النقل الديني لا تخلومن حالتين:

    الأولى: حالة توافق: حيث يحدث توافق وتماثل بين بعض العقائد الدينية ، وبين بعض النتائج الفلسفية ، كالقول مثلا بوحدة الخالق ، وحدوث العالم ، وثنائية البدن والنفس ، وبالوجود الغيبي.

    الحالة الثانية: حالة تعارض: حيث يحدث تصادم عصيّ عن الاجتماع بين نظرات فلسفية ، ومنقولات دينية ، كقول كثير من الفلاسفة أن عملية الخلق هي قائمة على صدور أو فيض ، لا على إيجاد من عدم . وكالقول بأزلية النفس .وقد جمع الغزّالي كثيرا من هذا الباب في كتابه تهافت الفلاسفة الذي حوى كلامًا فيه صواب وخطأ ، وخلط وترتيب ،ووضوح وغموض . وقد نبه إلى معايبه ابن رشد في رده عليه ، وكذا ابن طفيل في مقدمة كتابه( حيّ بن يقظان).  

   لقد كانت الحالة الثانية أكبر موجه ومؤثر في مناهج ، ومناتج  وطبيعة الفلسفة العربية الإسلامية ، لاسيما بعد حملة الغزّالي على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة ).

   من الواقع قولنا إن  الفلسفةالتي تلقاها المسلمون جاءت محملة بآراء واهية فارغة، أقرب إلى الخيال منها إلىالواقع ، لذلك قال محمد عبد الرحمان مرحبا ((انقلبت الفلسفة متحفا تتراكم فيه أكداس الاستنتاجات والفروض والأوهام)).([7])

   

    كان من اللافت للنظر أن أكثر فلاسفة المسلمين هم من المطلعين على علوم الدين ومباحثها .وهنا يسنح سؤال يقول:

 

   ألم تكن للعقول الإسلامية كفاية واغتناء بما حملته النصوص الإسلامية المقدسة من معارف دينية ، فضلا عما توفر من مباحث وعلوم لغوية وبيانية ؟

  الواقع أن العقول الإسلامية لم تكن ذات منهج واحد ولا عمق موحّد ولا إمكانيات متكافئة ؛ لأن هاته العقول ذات مرجعيات متباينة ،وطبائع متخالفة ، وأرصدة معرفية متفاوتة القيمة والعمق .

  ففيها العقل العربي ، والعقل الفارسي ، والعقل الهندي والتركي. كل هذه العقول انصهرت وكوّنت ما نسميه هنا بالعقل الإسلامي ، كل ذلك قدم واقعا مفاده أن العقول الإسلامية المنتجة للفكر الإسلامي ، لم تتخذ موقفا واحدا من جهة الاكتفاء أو عدمه بالمعارف الدينية والبيانية اللغوية .فتكون فريقان رئيسان هما :

   1- فريق أعلن اكتفاءه بالمعارف الدينية واللغوية ومباحثها ، وأعلن الخصومة والتوجس لكل ما عداهما ، وهذا ظاهر في مواقف كثير من الأعلام أمثال :ابن قدامة ، وابن رجب الحنبلي ، وابن الصلاح ، وغيرهم . وقد كان مصدر التوجس ماثل في الميراث الإغريقي الذي استشرى بعد عمليات الترجمة العربية ، من لدن خالد بن يزيد الأموي .

    2- فريق لم يكتف بتلك المعارف ؛ فتوجه إلى المباحث والعلوم العقلية ، والفلسفية والعلمية ، فاتحاً كل الأبواب المعرفية المتاحة في ندحة عن التوجس من اقتحام الجديد ، وبعد عن التخوف من تفتيق أبكار العلوم العقلية واستكناه غياباتها.

 يخبرنا تاريخ الفكر والفلسفة أنه حيثما خلت الساحة من الدين ؛ فالفلسفة ستنطلق لا تراعي ، ولا تواري ولا يحدها حد. وحيثما وجد توازن  بين الفلسفة والدين فالمنهج التوفيقي سيفرض نفسه .

    هذا ما يوكده لنا تاريخ الفكر والعقل الإنساني، فالفلسفة الإغريقية، وجدت في فضاء اجتماعي ومعرفي خال من الدين وآثاره ، حيث لم يعرف الإغريق طوال القرون الستة الأولى قبل المسيح دينا ًولا عقائد سماوية ؛ فكان المجال مفتوحا للعقل الخالص ؛ لينظر ، ويحلل ، ويتوهم ، ويهذي ، ويهدي ، وينسج ، ويخلط ، ويصيب ويخطئ ، بعيدا عن أي هداية إلاهية أو إرشاد سماوي .

    لكن الأمر اختلف في ساحة الفلسفة الإسلامية ثم ساحة الفلسفة الأوربية الوسيطة ، حين كان الدين حاضرا في منظومة عقدية ، وتوليفة اشتراعية واضحة ن لم يستطع الفلاسفة اطّراحها ، ولا صدامها؛ فاصطنعوا منهجهم التوفيقي.  هذا ما نراه جليا عند أمثال الكندي ، وابن سينا وابن رشد مثلا عند المسلمين . وعند أمثال (توما الاكويني 1274م )، وأستاذه (ألبير الكبير1280م) لدى النصارى في العصور الوسطى.

    أما حين انحسر نفوذ الدين في أوربا وغابت الكنيسة وطغا سلطان  العلمانية الشاملة تحرر الفلاسفة المعاصرون من المنهج التوفيقي ؛ فعاد العقل الفلسفي ليسرح ويصول بلا هاد ولا مرشد من وحي سماوي أو إرشاد إلاهي ؛ فظهر مثلا: نيتشة ،وديفيد هيوم، وبرت راند رسل .

    إن النظر في الفلسفة الإسلامية يوكد أن مرتكزها وهمّها الرئيس كان متشكلاً في تشخيص ومعالجة العلاقة بين النظر الفلسفي، وبين النقل الديني، أو بين الحكمة وبين الشريعة حسب تعبير ابن رشد الذي كتب في ذلك كتابيه الشهيرين (فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال )و(الكشف عن مناهج  الأدلة في عقائد الملة) ، فضلا عن مباحث هامة في كتابه (تهافت التهافت)الذي أكد فيه افتقار الغزاّلي إلى العمق المنهجي ، والاطلاع الفلسفي اللائق.([8])

  

حالتي التقابلية الفلسفية والدينية:

 

 إن العلاقة بين النظر الفلسفي وبين النقل الديني لا تخلو من حالتين :

    الأولى: حالة توافق: حيث يحدث توافق وتماثل بين بعض العقائد الدينية ، وبين بعض النظرات الفلسفية ، كالقول مثلا بوحدة الخالق ، وحدوث العالم ، وثنائية البدن والنفس ، وبالوجود الغيبي.

    الحالة الثانية: حالة تعارض: حيث يحدث تصادم عصي عن الاجتماع بين نظرات فلسفية ، ومنقولات دينية ، كقول كثير من الفلاسفة أن عملية الخلق هي قائمة على صدور أو فيض ، لا على إيجاد من عدم . وكالقول بأزلية النفس .وقد جمع الغزالي كثيرا من هذا الباب في كتابه تهافت الفلاسفة الذي حوى كلاما فيه صواب وخطأ ، وخلط ونقص ،ووضوح وغموض ، وقد نبه إلى معايبه ابن رشد في رده عليه ، وكذا ابن طفيل في مقدمة كتابه( حيّ بن يقظان). لقد حفلت الفلسفةالتي تلقاها المسلمون بآراء واهية فارغة لذلك قال محمد عبد الرحمان مرحبا((انقلبت الفلسفة متحفا تتراكم فيه أكداس الاستنتاجات والفروض والأوهام)).([9])

    لقد كانت الحالة الثانية أكبر موجه ومؤثر في مناهج ومناتج  وطبيعة الفلسفة العربية الإسلامية ، لاسيما بعد حملة الغزّالي على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة )

 حوافز التفلسف لدى المسلمين

 

إن في استعمال التفلسف لإنتاج فلسفة ، استجابة لدافع فطري توطّن عقل الإنسان لا يمكنه – حال سلامته – الكفّ عن التفكير والتأمل والتدبّر ، وقد كان هذا الحال شاملاً للعقل الإسلامي الذي استقوى لديه النزوع إلى التفلسف بوجود حوافز أراها ماثلة في النقاط التالية  

1-    العامل الأول : حثّ النصوص المقدسة على التفكر والتدبر والتأمل والنظر والتعقل ، إن  كل هاته المصطلحات هي عمليات عقلية دعا القرآن إلى توظيفها وتفعيلها وذلك ما نجده  في مثل قوله تعالى }قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } سورة العنكبوت .الآية 20

وقوله }قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } يونس 101

وقوله }أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }الحج 46

وقوله }أفلم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض }الأعراف 185

وقوله }…والنجوم َ مسخرات  بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}النحل 12

إن وجود مثل هذه النصوص شجعت ابن رشد ليجزم بأن الشريعة أوجبت النظر الفلسفي ، واستعمال البرهان المنطقي [10].

   إنها نصوص تدعوا الإنسان لاستثمار إمكانياته العقلية ، لا سيما في مجالي : الوجود ، والمعرفة ، فضلا عن مجال القيم الذي خصص له القرآن حيزا غير صغير .

 

2  - العامل الثاني : غزارة المادة الفلسفية المتاحة بعد نشاط عملية الترجمة والنقل عن الثقافات الإغريقية والفارسية والهندية .

فقد شكّلت هاته المادة الفلسفية جرعات مقوية ومحفّزة للعقل المسلم ، كما شكلت منطلقات وساحات مناسبة للممارسة الفلسفية بعد أن كان العقل العربي معتقلاً ، ومفتقراً إلى ساحات ومنطلقات من  هذا القبيل قبل الثورة القرآنية والثورة الترجمية الانفتاحية .

3  - العامل الثالث : فتح المجال للحرية الاجتهادية ، فقد ساد في القرنين الثالث والرابع الهجريين – خاصة – مناخ علمي تسامحي أتاح للعقول التلاقي ، وللفهوم التلاقح ، وللثقافات التواصل ، وللأمم النواشج .

كل ذلك أتاح المجال لظهور عقلية متفلسفة قادرة للهضم الفكري ومؤهلة للإنتاج العقلي .

 

( مقدمات المنهج التوفيقي بين الفلسفة والدين )

 

-         ظهور التفلسف .(

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الخطاب الصوفي بين الفتنة والاغتراب

كتبها خالد المحجوبي ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 18:02 م

الخطاب الصوفي بين الفتنة والاغتراب

مقاربة لخصوصية النص والطرح الصوفي

 

 

خالد إبراهيم المحجوبي

 

 

 

الخطاب الصوفي بين الفتنة والاغتراب

  تقديم عارض:

   لايكفّ  عالم التصوف عن إثارة الباحثين في ساحته لاجتراح التساؤلات ، والافتراضات ، والتخمينات ، بناء على الإرث الصوفي المتواصل المتجدد الذي لم يسجل تاريخ الفكر بعد انقطاعه عن التواصل مع العصر الحديث ، لكونه نتاجاً إنسانياً قبل أن يكون طائفياً ، أو أيديولوجياً . وكل منتج إنساني هذا حاله لابد أن يستعصي عن الانقطاع ، وأن يتعالى عن التحقيب الزمني وآثاره ، خلافاً لما تكون عليه عادة النظريات (المؤدلجة) أو المشاريع الفكرية الخاصة .

   ولاجرم أن من أهم عناصر الظاهرة الصوفية ، ما اصطلح على تسميته بالخطاب الصوفي ، الذي رأيته منغمساً في معنيي الفتنة ، والاغتراب ؛ وهما معنيان لايزالان في طور التشكل على مستوى الطرح البحثي المتعلق بالخطاب الصوفي ، وهذا البحث مقاربة درْسية للخطاب الصوفي من حيث تأصل الفتنة والاغتراب فيه تأصلاً سانخاً مكيناً .

 

مدخل مفاهيمي :

   تؤوب كلمة الفتنة معجمياً إلى الجذر (ف ت ن) الذي يحمل دلالات أشهرها الابتلاء والاختبار  ، والإعجاب ،بالشيء ، والإحراق. ([1])

   إن مفهوم الفتنة يستحضر علاقة بين طرفين : طرف فاتن جاذب مؤثر ، وطرف مفتون منجذب متأثر . إذا ًهما طرفان يصنعان حالة الافتتان لكل منهما مواصفاته التي لاتتحقق إلا في حالة اكتساء الآخر مواصفات أخرى مترتبة عنها وهي الانجذاب والتأثر .وأود التوكيد هنا على إن كلمة الفتنة لم تتخذ بعدُ استعمالا تواضعياً ، فلم تتخذ كلمة الفتنة صفة مصطلحية في أي مجال معرفي حتى الآن، فهي إذا ليست مصطلحا وهذا أمر يزيد من مشقة دراسة كل موضوع تكون الفتنة وصفاً له ،  ولست أوافق من يقول إن الفتنة صارت مصطلحا كما يرى بعض الباحثين ([2]).

    استقرّ لكلمة الفتنة في الاستعمال الحديث معنيان رئيسان :

  الأول : الخلاف المؤدي إلى تشاجر وتصادم وتفرق بين الناس ،وهذا معنى استعمله القدماء من ذلك وصف بعضهم ما حدث بعد اغتيال عثمان بأنه الفتنة الكبرى ، ووصفهم ما حدث في عهد المأمون بشأن موضوع خلق القرآن بفتنة خلق القرآن.

     الثاني : الحالة التي يصلها الإنسان متأثراً بشيء جميل بديع ، ومن هذا الباب وصفت المرأة شديدة الجمال بأنها فاتنة .

    إن واقع النص الصوفي جامع لكلا المعنيين السالف عرضهما ، فهو نصٌ فاتن مستجلب للخلافات والشقاق ، وهو أيضا ًوهو أيضاً خطاب فاتن بارع الجمال فاحش البهاء ، ولاجتماع هذين المعنيين فيه فهو أولى الخطابات بوصف الفتنة.

    أما كلمة الخطاب ففي الاستعمال الشائع تعني كل ما يكتب أو ينطق موجها إلى الغير لأجل إيصال فكرة ما .وهي عائدة للجذر (خطب) الحامل لمعان أهمهاالكلام الموجه.

   وما نعنيه بالخطاب الصوفي هو ما يسميه بعض الباحثين بالنص الصوفي ، وغيرهم باللغة الصوفية. فالمراد هنا بالخطاب الصوفي ما أنتجه الصوفية النظريون من القوالب اللغوية ومحمولاتها المعنوية ، أعني الآراء والطروحات الفكرية.

مراحل الخطاب الصوفي   :

    لم يتخذ الخطاب الصوفي صورته الفاتنة بادئ الأمر إنما مر بمراحل حتى بلغها ، تلك المراحل أراها ثلاثة هي:

1-    مرحلة التدقيق في الخطاب التقليدي ، حيث تم استعمال اللغةالتقليدية على نحو مركز كما الحال عند الجنيد والمحاسبي.

2-    مرحلة الشطح، وهي مرحلة لم يسلم أهلها لأن الخطاب الشاطح عاش متهما دائما لكونه خطاباً صدامياً بما يحمله من معان مستشنعة في الظاهر ، لايبدو لناظرها انطواؤها على مخفيات معنوية هي  المرادة دون الظاهر الشاطح ، كما هو في بعض كلام رابعة العدوية ، ثم أبي يزيد البسطامي ، والشبلي .

3-     مرحلةالخطاب الفاتن ، وهي التي  مهد لها البسطامي ، ثم  أرسخ قواعدها الحلاج بوضوح في كتاباته التي استغلقت على فهوم الناس خواصهم وعوامهم ، حتى روي أن بعض شيوخ التصوف كانوا يستثقلون كلامه[3] .

   ومن الظاهر أن الحلاج لم يتّكل بشكل تام على هذا النوع من الخطاب الفاتن ، بل استخدم الخطاب التقليدي أيضاً ، من ذلك ما نجده في قوله ((من ظن أن الألوهية تمتزج بالبشرية ؛فقد كفر))[4] . وقوله ((إن معرفة الله هي توحيده ن وتوحيده تمييزه عن خلقه ، وكل ما تصور في الأوهام فهو تعالى بخلافه ، كيف يحل به ما منه بدأ))([5])

      إن الحلاج في هذا النص يستخدم خطاباً تقليدياً على نمط الخطاب الفقهي السائد قبل عصره وأثناءه . وكانت ذروة الخطاب الحلاجي الفاتن في كتابه (الطواسين) بعدما نجح في تفجير اللغة _حسب عبارة يوسف زيدان_ بعدما ترك أساليب الصياغة اللغوية الشائعة في عصره  حيث فجر(( كل التراكمات اللغوية والدلالية))[6] .

  وفيما يتصل بالموضوع الصوفي العام فإن الفتنة حالّة فيه حلولاً مكيناً مستوطنة خطابه المميز ، مكتسبة معنيين لصيقين بهذا الخطاب المتصوف ، ذانك المعنيان هما اللذين أسميهما :المعنى الجمالي للفتنة ، والمعنى الجِدالي للفتنة .

   إن هذين المعنيين هما أهم ردائين اكتساهما الخطاب الصوفي ، فضلاً عن رداء آخر لا يقل أهمية عنهما هو رداء الاغتراب وهو ما سيأتي تفصيله تالياً.

   أولاً : المعنى الجمالي للفتنة: أعني به شدة الانجذاب لمصدر مؤثر قائم على بهاء مفرط وجمال زائد عن المعتاد من مصادر الجمال .

   ثانياً: المعنى الجدالي للفتنة : أقصد به العداوة والخصومة المتولدة عن جدال صدامي ناتج عن خلاف بين طرفين أو أكثر ،من ذلك فتن الفرق والطوائف التي ملأت التاريخ الإسلامي بمشاكلها وعقدها.

    لقد استطاع الخطاب الصوفي خلق الفتنةالجمالية ، والفتنة الجدالية كليهما ؛ حتى ملأ التاريخ الفكري والسياسي للحضارة العربية والإسلامية ؛ فكان مصدراً قوياً رابياً للفتنة ، حيث صدرت عنه بمعنييها _ أعنى المعنى الجمالي ، والجدالي _.

    ابتدع الصوفية النظريون ضروباً طارفة من التعابير وأشكالاً حادثة من الأساليب على هيئات لم يستألفها عالم الكتابة والتصنيف عند العرب والمسلمين ، إلا في آخرات القرن الثالث الهجري ، وكان الرائد الأهم في هذا المجال هو أبو مغيث الحلاج المقتول عام 310هـ، الذي إن نوزع الريادة ، فلا يمكن نزاعه الأهمية.

 فهو الذي أربك من جايله ،ومن تلاه بخطابه المـُغرب ، هذا برغم سبقه بمحاولات لم تصل إلى درجة قوة وشهرة وتأثير خطابه هو ، تلك المحاولات السابقة تكاد تنحصر في أبي يزيد البسطامي المتوفى سنة 261هـ.

    ولم يزل الإغراب المعنوي هو الصفة الأنهد للخطاب الصوفي بعد الحلاج ، خالقاً فتنة جدلية خلافية استتبعت صدامات ومآسي حلت بساحة أهل التصوف النظري الذين قدموا قرابين كثيرة ثمناً لخطابهم الفاتن .

    وقد حاول كثير من أهل التصوف التخفيف من حدة الإغراب المعنوي ، جاء ذلك على مستويين

 !- تضمين كتبهم شروحاً كاشفة لكثيرمن مصطلحاتهم  .من  ذلك ما نجده عند أبي نصر السراج الطوسي ، في كتابه :اللمع ،([7])وما كتبه القشيري(465هـ) في كتابه الرسالة لقشيرية.والغزَّالي في إحياء علوم  الدين.وابن عربي في الفتوحات المكية.

2-  وضع معاجم صوفية خاصة ؛ لبيان وتجلية الحُمُولات المعنوية للمصطلحات الصوفية التي هي مادة الخطاب الصوفي . من أشهر تلك المحاولات ما سطره محيي الدين بن عربي المتوفى عام (638هـ) في رسالة له بعنوان (اصطلاح الصوفية) . وما كتبه عبد الرزاق القاشاني(735هـ) في كتابيه : رشح الزلال…  ، واصطلاحات الصوفية ، بناء على طلبات من بعض العلماء الذين استغلقت أمامهم أبواب فهم الخطاب الصوفي ، وفي هذا يقول القاشاني ((…لما فرغت من تسويد شرح كتاب منازل السائرين ، وكان الكلام فيه وفي شرح فصوص الحكم ، وتأويلات القرآن الحكيم مبنياً على اصطلاحات الصوفية ، ولم يتعارفها أكثر أهل العلوم المنقولة والمعقولة…سألوني أن أشرحها لهم …فتصديت بالإسعاف بسؤلهم))[8].

   وقد أسهمت هاته الأعمال المعجمية في تخفيف حدة الانغلاق المعنوي الدلالي للخطاب الصوفي الذي ارتدى عباءات الغموضية ، والغمامية ، والعمائية ، أثناء عملية اجتياحية مربكة لعالم التصنيف والتأليف باللسان العربي .

بواعث الإغراب في الخطاب الصوفي :

   لقد اجترح الصوفية ضرباً مميزاً من الأساليب والمصطلحات كسوْا بها خطابهم وكان مرجع ذلك الإغراب الخطابي مايلي:

1-  دافع موضوعي : وهو عجز اللغة التقليدية عن الوفاء بما يكفي للدلالة إلى المعاني الصوفية الدقيقة العميقة.من هنا جاء الخطاب الصوفي وليداً لحاجة دعت إليه ، لا من باب الفضول ، أو الاستعراض الغوي ، ولا من باب التطور الطبيعي للغة وأساليبها ، إنما هو تطور اضطراري حاجيٌّ . داخل في باب قولهم الحاجة أم ُّ الاختراع. 

 2-  دافع ذاتي : وهو تعمد الصوفية الازورار عن مألوف الأساليب والمفاهيم اللغوية ، لأجل الحفاظ على إشاراتهم ومعانيهم أن تصاب بتشويه فهمي ، أو إنكار مؤذٍ من طرف العوام غير المطلعين على دقائقهم ، وغير  المستكنهين لأعماقهم، من ليسوا بأهل لمطالعة مكتوبات الصوفية . وهذا ما يكشفه ما أجاب به أبو العباس بن عطاءالآدمي(309هـ) ، حين قيل له : ((مابالكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بها على السامعين ، وخرجتم بها عن اللسان المعتاد …؟ فقال أبو العباس: ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه ؛ لعزته علينا ، كيلا يشربها غير طائفتنا ))([9]).

 

 

 وأنشد الكلاباذي (380هـ) لغيره [10]:

   إذا أهل العــــبارة ساءلونا    **       أجبناهم  بأعلام الإشارة

    نشير بها فنجعلها غموضـــاً   **       تقصِّر عنه ترجمة العبارة

    وتشهدها وتشهدنا ســروراً     **      له في كل جارحة إشارة

    ترى الأقوال في الأحوال أسرى     **     كأسر العارفين ذوي الخسارة.

 

 إن هاته الأبيات لتوكّد الغرض التقصُّدي الذتي الذي يصدرعنه الخطاب الصوفي الفاتن الذي أربك الفقهاء ، وزعزع أساليب البيان العربي . ولا يُخفي البيت الأخير  مدى الأزمة التي عاشها ا لخطاب الصوفي ، في ظل ضيق اللغة التقليدية وأساليبها عم احتواء المعاني والأحوال التي يلابسها الصوفي ، إلى درجة تجعل القول والتعبير اسيراً مكبلاً عاجزاً عن البوح الشافي ، وعن التعبير الوافي ، وسط غمرة وعمق الأحوال الصوفية ، وهذا ما عناه النفّري حين قال : (إذا اتسعت الرؤيا ؛ ضاقت العبارة)

 إن ذلك الإغراب جاء مقصودا وسط الساحة الصوفي للتعمية على من يسميهم ابن عربي ((علماء الرسوم)) ومما يؤكد ذلك ما ذكره ابن عربي في مقدمة رسالته اصطلاح الصوفية فقال عن غير الصوفية ((…مع عدم معرفتهم بما تواطأنا عليه من الألفاظ التي بها نفهم بعضا ًعن بعض كما جرت عادة أهل كل فن من العلوم ))[11]

الاغتراب الصوفي :

      الاغتراب مصطلح غير قديم شيوعه ،  استوطن أكثر من ساحة معرفية وتخصص علمي محملا بدلالات متغايرة ، فهو يمتلك صلاحية الدلالة على ثلاثة مفاهيم أساسية ، هي التالية :-

1_ المفهوم الأول:- يعزى إلى الغرابة والإغراب حيث يتحقق التزّيل عن السائد والمألوف من الأفكار والأشياء فتتشيأ الغرابة إلى سمة ملازمة ووصف لصيق . وقد أصبح هذا المصطلح أخيراً ملازماً لقائمة النعوت الملصقة بالمجتمعات المعاصرة في بيئتها العلموية كما هو حال مصطلح التشيؤ والتّسلّع والتوثّن .

  2_ المفهوم الثاني :- الذي يدل إليه مصطلح الاغتراب مفهوم التوجه والانكفاء إلى الغرب بما يحوى من ثقافات وعادات مما يُحدثُ حالة ضدّية معاكسة لحالة التّسلّف أعنى الانقلاب إلى التراث السالف والاعتماد على رموز . وهــذا هو ما يتوهــم الكثيرون أنه حقيقة الأصالة فيرونها رجوعاً واتكاءً ، لا تقدماً وبناءاً .

    وظاهرٌ أن هذا المفهوم هو الأكثر اعتمالاً والأوسع نفوذاً في ساحة الكتابات العربية التي صارت إلى استعمال مصطلح الاغتراب منذ زمن غير بعيدفانضمّ إلى منظومة المصطلحات المحدثة التي اجتاحت عيون وآذان القراء العرب .

 

3_ المفهوم الثالث لمصطلح الاغتراب يدل إلى حالة نفسية وجدانية يعيشها الإنسان الذي لم يوفّق إلى تحقيق التآصر أو التماهي مع محيطه بمكوناته الفكريــــة والسلوكية فيكـوّنُ ذلك الإنسان حينها مع محيطه وعالمه علاقة لا تجاوز كونها علاقة جغرافية فحسب وهذا هو حال كل صاحب قيم مثالية ومبادئ أنموذجية وسط العالم العولمي حيث تسود المعاني المتجسدة للتوثّن والتشيّؤ والتبلّد والتنميط تحت إشراف الإنسان ذي البعد الواحد المؤمن عملياً بموت الإله .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb