العولمة وإشكالية الخصوصية الثقافية للأقليات

كتبهاخالد المحجوبي ، في 3 أغسطس 2007 الساعة: 13:17 م

 

 

 

العولمة

وإشكاليةالخصوصية الثقافية للأقليات

 

 

 

 

 

 

 

 خالد إبراهيم المحجوبي

 

جامعة الجبل الغربي.كلية الآداب

 

 

 

 

 

 

 

 

العولمة وإشكاليةالخصوصية الثقافية للأقليات

 

خالد إبراهيم المحجوبي

جامعة الجبل الغربي.كلية الآداب

مدخل مفاهيمي:

 

    إذا لم تتحدد المفاهيم ، أصيب الكلام بالميوعة المعنوية ، وأرهق التفكير ، وابتعد التوافق ؛ لأجل ذلك كله سأزجي بين يدي هذا البُحيث تحديداً لمفاهيم أهم المصطلحات والكلمات المركزية التي ينطوي عليها ، وهي : العولمة ، والأقليات ، والثقافة ، والخصوصية الثقافية ، وعناصر الخصوصية الثقافية ، والعملية التأثرية.

مصطلحات البحث :

*العولمة : حركية الكيان العالمي بكل مكوناته ، إلى نحو غير محدود ، بدفع من التطور التقني والانفتاح العلمي ، والهدف المادي .

* الأقليات:هي المجتمعات البشرية التي تعيش وسط مجتمعات أكثر منها عدداً في حال تباينهما على الصعيد الفكري العقدي ،أو الصعيد العرقي السلالي.

* الثقافة : لها مفهومان . المعنى الأول للثقافة هو  كونها كل ما يؤثر في السلوك والتفكير  الإنساني من تقاليد  وموروث فكري ودين ونحو ذلك . أما المعنى الثاني : فهو كونها ما ينتجه الإنسان من وجوه السلوك ، ومناهج التفكير  ، والأفكار والفنون .

 * الخصوصية الثقافية : هي الصفات  الخاصة بمجتمع مما يكسبه تميزاً أمام غيره ، بحيث لا يشاركه فيها غيره.

* عناصر الخصوصية الثقافية :هي المكونات التي تتركب منها تلك  الصفات الخاصة ، التي تكو ن موضوعاً لتلك الصفات

 * العملية التأثرية : أعني بها حدوث تأثير من طرف ما ، يلاقي استجابة بالتأثر من طرف آخر .([1])

 

 ——————————————————

   1- العولمة :

    صار هذا المصطلح من أكثر المصطلحات دوراناً وسط منظومة الدراسات الإنسانية ، والاقتصادية ، والسياسية من لدن العقد الأخير في القرن العشرين .

    ((إن هذا المصطلح من المولدات الحديثة ، صيغ على وزن فوْعلة ، وهي صيغة صرفية تفيد تحويل الشيء إلى وضع آخر غير الذي كان عليه ، ومن أشهر الاستعمالات الحديثة المبنية على هذا الوزن  قولهم (قولبة ، بلورة ، حوسبة ، كوننة ، كوكبة ، أمركة ). فمصطلح العولمة هو ترجمة ونظير للمصطلح الفرنسي (mondiolsation) وللمصطلح الإنجليزي (glabalization) .

    إنها نتاج الصراع والتسابق الطويل بين أقطاب  القوة في المجتمع الدولي ، المتمثلة في عناصره الفاعلة ، المؤثرة تأثيرا ً مطلقا ً كما هو الحال في المثال الأميركي، والأوروبي الاتحادي . إنها إماتة للخصوصية ، وإلغاء للحصرية ، إنها في اختصار ووضوح :تعميم غير محدد، مجاوز للحدود .

   هذا التعميم شامل للمفاهيم والاستراتيجيات والأفكار ، وتطبيقاتها العملية ، فضلا ً عن بناءاتها النظرية . إن ذاك الفعل التعميمي هو ما يعبر عنه الآن بمصطلح العولمة  ، وهو في واقعه كذلك ، عند تحقيقه للإشاعية والذيوعية النابية عن سلطة الحصر والقصر ، والقاهرة لمفهوم وواقع الخصوصية ، سواء العرقية أو الإقليمية . والعولمة بهذا المعنى بدأت في ساحة الفكر ثم في مجال الاقتصاد ، وهذا الأخير هو الذي أشهرها ،وصنع دعايتها وأنهد خطرها في العالم ؛ لكون الاقتصاد أبلغ تأثيرا ً في  العالمين من الفكر النظري .

    العولمة في واقعها صياغة مباشرة للمركزية الغربية بكامل أدواتها وتوجهاتها التي حوّرت العالم ، وأنظمته الطبيعية والإنسانية . إنها اجتياح الحضارة لأهلها

    في ساحة المصطلح يفضل بعض الدارسين إطلاق اسم الكوننة  بدلا ً من  العولمة  ، والواقع أن العولمة أدق مصطلحياً من الكوننة ، فهذه الأخيرة تدخل الكون كله في نطاق التعريف والتأثير والتأثر ، والحقيقة أن  الكون أعصى عن أن يدركه الإنسان ، وأبعدعن أن يحيط به تفاعل إنساني على النحو الذي حدث أواخر القرن العشرين ؛ فسمي بالعولمة))([2])

 

2- الأقليات:

    على الصعيد اللغوي يحمل الجذر (قلل) عدداً من المعاني ، أهمها وأغزرها استعمالا هو كون القلة ضد الكثرة ، فيقال قلّ الشئ يقل قلة وقُلّاً ، فهو قليل وقُلال وقَلال ([3]).

  ولست أعلم قديم استعمال لمصطلح الأقلية ، فهذه الصيغة برغم عودها إلى ذاك الجذر فإنها غير ظاهرة الاستعمال في اللغة العربية التراثية ، التي تطلق على الناس الذين لم يبلغوا حد الكثرة ألفاظ : القلة ، والقليل ، والقليلون . لكن شاع في الكتابات العربية الحديثة استعمال لفظة الأقلية حتى صارت مصطلحاً اجتماعياً أنثروبولوجياً  ضافيَ الاستعمال. وصارت دلالته الاصطلاحية دالةً إلى الجماعة من الناس العائشين وسط جماعة أغزر منها عددا ،ً في حال اختلافهما عرقياً  ، أو عقائدياً  . أو على الجهتين معاً.

   إن الوصف بالأقلية وصف غير ملازم ولاشامل ، بمعنى أنه قد يكون ملاصقاً لجماعة ما أو جنس معين ، من غير أن يلحق الجنس ذاته والجماعة عينها في مكان آخر . من أمثلة هذا أن النصارى أقلية في مصر والعراق وسوريا ،وفي الوقت نفسه ليسوا بأقلية في اليونان وفرنسا وأسبانيا ، كما أن السود أقلية في أميركا ، لكنهم أكثرية في جنوب أفريقيا التي يشكل البيض فيها أقلية . كذلك نجد اليهود أقلية في المغرب وتونس ، لكنهم أكثرية في فلسطين المحتلة .

   إذاً الوصف بالأقلية وصف مفارق غير ملازم للجماعة الموصوفة به حيث تقوم الجغرافيا بتعديلات هامة تجعل من الأقلية في مكان ما أكثرية في مكان آخر ،

    الأقليات مصطلح ديمغرافي صرف ، ليس له –في بنيته- امتداد معرفي فكري ايديولوجي ، كما هو الحال في مصطلح العقلانية ، أو السلفية-مثلاً- . إن النعت والتشخيص الثقافي لا يصلح إلا في نطاق الموجودات المعرفية الفكرية ، كالاتجاهات الفكرية والمذاهب المنهجية فنقول -مثلا - ثقافة المنهج المادي ، أو الثقافة العقلانية ، والثقافة الحضارية ، والثقافة السلفية ، والتقليدية .

    إن كلاً من هاتيك المذكورات تمَّاز بخصائص تميزها وملامح تخصها في بيئتها الثقافية ووسط أطرها المعرفية الواسعة.

 

 

 

أصناف  الأقليات :

    إن شأن الأقليات معقد وأمرها متشابك مموّه ،وفي ظل العولمة بقي من الممكن التمييز بين نوعين رائسيْن من أنواعها ، ولن تفلح العولمة في إلغاء هذا التقسيم النوعي للأقليات .هذا التقسيم يحتوي ثلاثة أنواع  هي :

   1- أقليات عقدَية : وهي التي تشترك مع الأكثرية في العرق ، وتخالفها في العقائد الدينية ، من أهمها النصارى ،واليهود ، والبهائيون ، والآيزيديون .وقديماً كان المسلمون هم الأقلية وسط الأكثرية النصرانية ،والوثنية في ساحة البلاد العربية .

   2- أقليات عرقية : هي التي تختلف جذورها السلالية عن جذور الأكثرية ،  وقد حضن الوطن العربي من هذا النوع كثيراً من الأقليات أهممها : البربر ، والأكراد ، والفينيقيون.

   3- أقليات عرقية – عقدية: يمثلها من خالفوا الأكثرية على مستوى المرجعية السلالية ،والمرجعية العقائدية كليهما ، من ذلك مثلاً ، كثير من المارونيين ، والآشوريين في الشام .

    لقد كان من أهم وجوه تعقد شأن الأقليات ما تشهده من اضطراب في تحديد المرجعية العرقية لبعضها ، وعدم الوصول إلى درجة الحسم في ذلك . ومن أهم المثالات الخلاف الحالُّ في شأن البربر في شمال شرق أفريقيا ، فالباحثون منقسمون إلى مذاهب ، فمنهم من يرجع أصولهم إلى العرب من الكنعانيين ، ومنهم من يعود بهم إلى حام بن نوح  منكراً عروبتهم ([4])، ثم منهم من يرجعهم إلى أصول أوربية وتحديداً من قدماء سكان فرنسا.([5])

  2- الثقافة:

إن الإحاطة بهاته القضية تستوجب تفصيل القول في تحديد واقع مفهوم مصطلح الثقافة

    هي مصطلح عميق الغور متكاثر المستويات ، متشعبة أطرافه ، كل هذا أدى على التباسات مفهومية أصابته فأوصلت على خلل استعمالي ؛ انجرَّت عنه اضرابات نتائجية في سواء كثيرٍ من الدراسات الثقافية والفكرية ؛ حيث تكاثرت الالتباسات بين المصطلحات الحضارية الرئيسة مثل : الحضارة والعمران والمدنية . هذا الواقع يوجب عليّ أن أقدم بين يدي كلامي تحديداً دلالياً يجلي حقيقة مصطلح الثقافة  ؛ حتى إذا ما استعملته فيما بعد جاء كلامي ومقاصدي على درجة من الوضوح مناسبة جلية ، غير ملبسة ولا مربكة .

    إن الاستعمال المعاصر لمصطلح الثقافة - بين الكتاب العرب- يتوزع إلى معنيين هما :

    1- الاستعمال الأول : تفيد الثقافة في هذا الاستعمال مدلولاً يحوي الناصر المنتَجة والمؤثرة ،    والموجِهة للإنسان وتفكيره وسلوكه وطبيعته . فكل ما أثر ووجه هاته الأشياء في الإنسان فهو ثقافة . من ذلك الدين والتراث والتقاليد ، والفنون الموروثة. وقريب من هذا التعريف ما ذهب إليه مالك بن نبي في ككتابه مشكلة الثقافة ([6])

    2- الاستعمال الثاني : يقدم مدلولاً يحيل إلى ما ينتجه الإنسان من فكر وسلوك ، ومنهج تفكير. فكل ما نتج عن الإنسان بحكم تمدنه وتطوره العقلي وتأثره وتأثيره كان هو الثقافة وهذا المفهوم له تداخل نسبي مع المفهوم الأول . وجلي أن الاستعمال الثاني يعاني تداخلا وتشابكاً مع مفهوم مصطلح الحضارة الذي يعاني بدوره من سوء الاستعمال في الكتابات العربية التي لا يهتم كثير منها بضبط المفاهيم ودقة الاستعمال . 

     يجب عليَّ أن أنبه بشدة إلى وجوب تحديد معني مصطلح الثقافة ، عند الكلام على الأقليات ، فالثقافة لها معنيان بحسب الاستعمال العربي للمصطلح ، فيجب تحديد أي المعنيين هو المراد بالكلام ؛ حتى ننأى بكلامنا عن الخلل في الطرح والاستنتاج ، ونبعد عن الخلط المموه .([7])

 

 

خصوصية  ثقافة الأقليات بين الواقعيةوالوهمية:

    إن القهر، والاضطهاد ،والانتقاص ،والمعاناة ، كل هاته المعاني تسنح بوضوح عند الكلام على الأقليات في أي مكان ، سواء بحق وإنصاف ، أوبظلم وانحراف .

   وظاهر أن أحوال وثقافات الأقليات من أكثر المواضيع استقبالاً للخطأ وأبعدها عن الدقة والحقيقة ؛ فالتصورات الخارجية عنها ، تسبق -عادة-المعالجات الموضوعية لها ، وهو ما حدث لي شخصياً  فأول ما سنحت لي الكتابة في هذا الموضوع(ثقافة الأقليات) تسابق إلى ذهني تلكم المعاني التي تتواجد عند طرق موضوع الأقليات : القهر الاضطهاد الانتقاص المعاناة ، وبُعيد هذا مباشرة تشكلت لديَّ صورة أولية مفادها أن لثقافة الأقليات خصوصيات عميقة وملابسات دقيقة ،  وتباينات جذمية أمام ثقافة الأكثرية  ، وأنها غير قابلة للتبديل والزوال .

    بعد تأنٍ ، وتأملٍ ، وتروٍ ، وتمهلٍ ، وتردد ، أمام َ وفي ، وعند هذا الموضوع ؛ ترجح لدي وتقوّى أنْ لاشئ واقعياً اسمه خصوصية ثقافة الأقليات ، هذا إذا فهمنا مصطلح الثقافة بعناه الثاني –أي النتاج الأدبي والفني والفكري - .أما إذا فهمناه بمعناه الأول فإن الخصوصية الثقافية توجد منحصرةً في صور من التراث الخاص ،والفلكلور المحدد ، والعوائد المعينة . ولنضع أمامنا الآن المعنى الثاني .

    لا أتصور أن في نتاج الأقليات ما يتباين  بوضوح مع نتاج الأكثرية ، سواء في النتاج الإبداعي كالشعر والقصة والرواية ، أو الإنتاج الدراسي البحثي  الفكري ، فالمعاني الموجودة في إبداع الأقلية متوفّرة في إبداع الأكثرية . وهذا طبيعي في حالة توحد المناخ التأثيري ضمن البيئة الواحدة فكرياً وجغرافياً لكل من الأكثرية و الأقلية ، فليس عندنا أقلية منعزلة جغرافياً وثقافياُ وفي معزل عن تأثيرات التلاقح الحضاري والفكرية الشامل الذي لايخضع للاختلافات العرقيةوالدينية والسكانية . والنتائج الدراسية البحثية إنْ تباينت بين باحث من الأقلية وآخر من الأكثرية ، فإنه تباين لن يفوق حجم ذلك  الذي قد يقع بين باحثين من وسط الأكثرية ، أو داخل الأقلية ذاتها ، هذا في حال انبناء الدراسة على  الموضوعيةوالأمانة .

    ليس في الممكن تحديد وتمييز الإبداع والإنتاج المعرفي بناء على تحديد المكانة الديمغرافية أو العرقية لصاحبه .فلم يعرف التشخيص  الأدبي والتأريخ الفكري أدباً مسيحياً-مثلاً- مقابلا للأدب الإسلامي ، أو أدبا للسود أمام أدب البيض ، أو أدباً وعِلماً كردياُ مقابلا للأدب والعلم العربي  .وهذا واضح في التراث العربي الإسلامي الذي انصهرت فيه كل الأصناف والأعراق التي حواها سياج الحضارة العربية الإسلامية تحت إشراف الدين الإسلامي .

    إن التمييز في مثل هاته الحالات ليس غير تكلف وعبث ، شبيهٌ به التمييز بين الأدب النسوي والأدب الذكوري . ومن المتاح هنا عند ذكر النساء والذكور أن نتصور علاقتهما علاقة أقلية بأكثرية  .

     إن تعبير (خصوصية ثقافة الأقليات) يبدوا أمامي مغلوطاً مموِّهاً ،وقد لا أكون مبالغاً لو قلت إنه تعبير لقيط ؛ فلا شئ واقعياً –كما أسلفت-اسمه خصوصية ثقافة أقليات-بالمعنى الثاني للثقافة- لأن الواقع يصرخ في وجوهنا بقوله: أتحداكم أن تظهروا تمايزاً حقيقيا جلياً بين عناصر خصوصية ثقافةٍ لأقلية عائشة وسط أكثرية ، وبين عناصر خصوصية تلك الأكثرية.

    لقد كان لويس عوض  ، وسلامة موسى ، وشبلي شميل -مثلاً-، من أقلية وسط ساحة الثقافة العربية الإسلامية ، نصرانيان في مصر، ولا ديني من الشام ، وكثير غيرهم ممن يسميهم محمد عمارة (( الموارنة الشوام)) [8].   لكن هل يمكننا لمح أو رؤية تمايز حقيقي أو خصوصية فارقة بين ما أنتجوه وبين ما أنتجه أدباء وباحثو الأكثرية المسلمة مثل طه حسين ،  والصادق النيهوم ، وسيد القمني مثلاً؟.

   أما عند النظر للثقافة بالمعنى الأول ، فإن خصوصيةثقافة الأقليات هي أمر واقع لاريب في وجوده ، منطوياً على خصوصية منسبغة على عناصر كثيرة تمارسها وتحضنها الممارسة الاجتماعية للأقلية ، ومن تلك العناصر الثقافية ما هو من التقاليد والعوائد ، كهيئات اللباس ، واللغة ولهجاتها ، والسلوكات العائلية ، وطقوس الزواج ، والاحتفالات الخاصة.

من أوازم الأقليات:

   عاشت الأقليات –في كل مكان – أسوأ أوقاتها أسوا أحوالها في ظل الثيوقراطية المنحرفة ، سواء في ظل التعاليم المحرفة للنصرانية واليهودية ، فضلاً عن الشوائب التي ألصقت بدين الإسلام من طرف بعض المستفقهين والمتطفلين على ساحة العلوم الدينية . إذاً لم تسلم الديانات الثلاث من أطراف ألصقوا بها مكاره العنصرية والتمييز غير المشروع . فاليهودية صارت بجهود حاخاماتها ديانة عنصرية بامتياز ،أما النصرانية فأضحت حسب تطبيقات كنائسها ديانة عنصرية قمعية وتحديداً في آخرات العصور الوسطى ، أما الإسلام فقد تأثرت شريعته السمحة النقية ، حيث شابها وكدرها تشويه من طرف أكداس من أدعياء العلم ، ومن المقلدين في المجال الفقهي  ؛ فظهر- بجهود هؤلاء - في صورة ديانة عنصرية أيضاً لاسيما تجاه اليهود والنصارى، حيث شاع في كتب الفقه ، والفتاوى العملية للحكام  ، إلزام أقليات أهل الكتاب بمظاهر مزرية منها –من باب التمثيل – إلزامهم بوضع رقاع بيضاء على كل منها صورة قرد ، وجعل ألواح على أبوابهم مصوراً عليها صور قرود ، وإلزامهم بزي موحد على صورة مهينة . وكذا ظهرت فتاوي تهينهم كالقول بمنع مصافحتهم ، ومنعهم من ركوب الخيل ووضع خواتيم الرصاص في رقابهم ([9]). وليس هذا الحال شاملاً للتاريخ الإسلامي كله بل هو ما شاع في حقب معينة ، طغا فيها الجهل والعصبية على سماحةالدين واعتدال علمائه.

    وبإزاء الاضطهاد الثيوقراطي للأقليات نشب فيهم القمع السياسي ، والاجتماعي ، والنفسي . كل أولئك خلق في سواء الأقليات خصوصية نفسية اقتضت زعزعة الاستقرار الداخلي ،مع تأثير في الذهنيةالعامة لأفراد الأقلية . لكن ثمت سؤال هنا : أيكون توفر الاستقرار النفسي والصفاء الذهني الطبيعي شرطاً لخلق ثقافة ؟

    إن إجابتي الخاصة هي النفي ، بعنى أن ذيْنك الاستقرار والصفاء ليسا بواجبين لخلق ثقافةوإبداع ، فطَبَعي أن تتخلق الثقافة والإبداع في بطن الهموم والاضطراب ، بل لعل هذين الأخيرين من حوافز الإبداع الفكري والفني ، والأمثلة الداعمة لهذا الرأي كاثرة يكفي منها الإشارة إلى تجربة أبي حيان التوحيدي ، والمتنبي ، والمعري ،والشوكاني ، وحديثاً طه حسين ، وبدر شاكر السياب ، ونصر حامد أبي زيد ، بل شهد الأدب الحديث ما بات يعرف بأدب السجون ، ولا يخفي التاريخ أن أكثر المبدعين عاشوا في أكناف  الأوازم والقلاقل .

    أريد مما سلف الوصول إلى إقرار وتوكيد أن الأقليات ليست ذوات ثقافة خاصة منعزلة عن ثقافة الأكثرية ، بالرغم من تفاوت الطرفين بعامة عند مستوى الاستقرار الاجتماعي والنفسي (السوسيوكولوجي) .

    إن ثقافة الأقلية تفتقد خصوصيتها عند تحقق الاندغام والتواشج بينها وبين الأكثرية، وعيشهما وسط مناخ موحد حضارياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً ، وهذا العيش المشترك هوالحاكم ، وا لمتحقق في حالة الأقليات ضمن أكثر ساحات الوطن العربي . وليس من معاني كلامي أنهم على درجة عيشية واحدة أو أنهم مدركون لتمام المساواة والقسط ،                فهذا أمر بعيد بُعد المريخ عن زحل .

 

 

 

الأقلية فطرة مجتمعية:     

 

   من الخطأ البليغ القول بأن ثنائية (الأكثرية -الأقلية)  هي ثنائية استثنائية خارجة عن المألوف البشري ، بل الخارج عن المألوف هو وجود مجتمع فاقد لجدلية تلك الثنائية. إن الإنسان منذ أن دخل مرحلة العمران والمدنية لم تنعزل مجتمعاته البشرية عن احتضان أقلية أو أكثر وسط أكثرية ؛ فصارت ثنائية ( الأكثرية –الأقلية ) لازمة من لوازم العمران البشري.

   ولقد نعلم أن ثنائية (الكثرة والأقلية ) هي فطرة المجتمع الإنساني فلا مجتمع خالياً من وجود أقلية وسط أكثرية ، هذه حتمية أنثروبولوجية ، أوجدتها طبيعة الحراك البشري ضمن سيرورة التاريخ ، وإذا نظرنا إلى المثال المجتمعي العربي سنلقاه حاوياً لثنائية الأكثرية والأقلية من لدن التشكيلات الأولى للحياة القبلية البدوية حيث كانت القبيلة تحوي وسط  هيكلها التركيبي مايعرف بطبقة العبيد و الموالي ، وهم المكوّنون للصورة الأولى لمجتمع الأقليات في العالم العربي .

   ولم تفلح حركية التاريخ وتطورات المجتمعات في إزالة هاته الثنائية ؛ لأنها كما أسلفتُ فطرة المجتمع الإنساني المحكوم في وجوده المتعيّن بأن يخضع للتنوع العرقي ، والتبدل الجغرافي ، والتباين الفكري ، والتفاوت العقلي . إن هاته الأشياء –الخارقة لحالة السكون-هي الخالقة الأساسية  لواقع الوجود الأقلّي ، بإزاء الوجود الأكثري  .  وهو واقع زاد من رسوخه (الطبيعة الظعنية )الرحلاتية لكثير من الشعوب القديمة ، ثم ماأوجدته الحقبة الامبريالية في المجتمعات المحتلة على المستوى الجغرافي ، والاجتماعي ، مما لم يتغير جذرياً حتى بعد رسوخ المجتمع المدني الحديث وكياناته السياسية واضحةالمعالم التي وجدت في ظاهرة الأقليات أمراً فارضاً نفسه ،إلى درجة لا تسمح بمجرد التفكير في تغييره.  

   لقد تعقدت شؤون المجتمعات بمرور الزمن فصار من الأليف جغرافياً واجتماعياً وجود أقلية ضمن أكثرية هي بدورها أقلية وسط أكثرية ، فوصف الأكثرية صار وصفًا نسبياً لكثير من الأكثريات ، التي هي من جهة أكثرية ، ومن جهة أخرى أقلية .

   إن الشعب العربي نفسه يعيش بوصفه أقلية وسط العالم ، في الوقت الذي يحتضن في داخله كثيراً من الأقليات . والكلام على ثقافة أقليات في الوطن العربي لا يبعد عن حال الكلام على الثقافة العربية في إطار العالم  العولمي الذي لم يعد يعترف بقيمة ولا أهمية للوجودات القزمية ؛ لأن المستقبل والحاضر صارا رهناً لسيطرة التكتلات الاقتصاديةوالتحالفات العسكرية ، ضمن فضاءات قوية دينها المصالح المشتركة ، وغايتها الانتفاع في إطار العقيدة البراجماتية ، في انعزالية كاملة عن الانتماءات العرقية ، والدينية ، والجغرافية هذا هو لتشكل الواقعي للعولمة .     

    في ظل وضع كهذا لم يعد للخصوصيات الثقافية إلا الخضوع لموقع المفعول به ، المفتوح دائماً ، أمام تأثيرات الفاعل المرفوع الذي هوالعولمة .

     أقليات الوطن العربي

    يشكل الوطن العربي مندوحة شاسعة ، حاضنة لصنوف متكاثرة من الأقليات بنوعييها : العرقيّ ، والعقديّ . وقد نشرت وحدة أبحاث الشرق الأوسط كشفاً بنسب وأسماء الأقليات المحضونة وسط الساحة الجغرافية للوطن العربي ، فكانت حسب البيان التالي([10]) :

   باستثناء العرب  المسلمين ، فإن كل الجماعات الأخرى هي من الأقليات ، سواء كانوا عرباً غير مسلمين ، أو مسلمين غير عرب ، أو غير عرب وغير مسلمين.

   وفيما يتصل بالمسيحيين العرب ، فإن أكثرهم روم آرثوذكس ، وروم كاثوليك وهم قلة.

   أما المسيحيون غير العرب ، فهم النساطرة ، والآشوريون الآرثوذكس ، والكلدان الكاثوليك ، والسريان اليعاقبة.

    * في لبنان: يشكل المسيحيون العرب 33%من السكان . موارنة وروم آرثوذكس ، وكاثوليك ،وبروتستانت. ويشكل السريان واللاتين والأقباط 5% ، والدروز6%، والعلويون والأكراد والترك ، كل منهم 1%.

  *الجزائر: يكوّن البربر السنة (الشلوح ،والشاوية، والقبائليون ) 26%، أما المسيحيون العرب 1%.

 *المغرب : البربر المسلمون ، و العرب يشكلون 36% من السكان ، مع طوارق البدو الرحل المشكلون لأقل من 1% ، أما اليهود فهم (صفر ,2% ) والأوروبيون 1% ،والأفارقة الزنوج أقل من 1% .

 * موريتانيا: العرب والبربر 40% ، والأفارقة (كالفولولاني ، والتكرور) 20% ، والبربر من الطوارق 2,5% .

    *الصومال : العرب فيها  ليسوا أكثر من 1% ، والأفارقة من قبائل البانتو 2% ،والآسياويون  1% .

   * مصر : الأقباط فيها أكثرهم آرثوذكس مع أقلية كاثوليك ، وأقل منهم بروتستانت ) يكونون 9% من السكان ، أما النوبيون 2%. والأرمن والأوربيون واليهود يشكلون نسبة 1%، والبربر السيويون مع الأفارقة والغجر هم 3%.

    *اليمن : أقلياتها لا تتجاوز 5% من السكان الأصليين . يملأ الإسماعيليون البهرة 2%، واليهود1% وقد هاجر أكثرهم لفلسطين.

    *عُمان : أكثريتها من الأباضية 80% ،وفيها أقلية من الآسياويين غير العرب (باكستانيون وبلوش ، وإيرانيون) هم 17%، والأفارقة الزنوج 2%.

    *السعودية: يملأ الإسماعييليون في جبال عسير 3% ، والأفارقة (ولوف ، وفولاني ، والزغاوة ،والتكرور ، والكانوري ) هم 5%، أما الآسيويون (هنود إيرانيون ،صينيون ، أفغان ، مالاويون) 5%.

   * الإمارات المتحدة:السكان من أصل إيراني 12% ،والآسيا ويون غير الإيرانيين(الهنود والبا كستان والبلوش والبنغلاديشيون)50%  ، أما المسيحيون عربا وغير عرب 2% ،والهندوس 3% .

  * قطر : يشكل الإيرانيون والبلوش 10%، والباكستانيون مع البلوش 18% ، والهنود 18% ،والهندوس 3% ، والمسيحيون عرباً وغير عرب 2%.

  * البحرين : الإيرانيون م 10% ، الاسياويون غير الإيرانيين (هنود ، بلوش ، وباكستانيون )17% ،والأوروبيون 2% .

 * الكويت : المسيحيون العرب هم 8% ،وافيرانيون 5%،والآسياويون(هنود وباكستانيون بلوش وبنغاليون ) 9% .

* الأردن : المسيحيون 5%، الشركس 1,6% ، وهم مسلمون سنيون، منهم الأبزاخ ، والقبرطاي والبزادوغ والشابسوغ، وخليط من الشيشان والأرمن والأكراد ، والتركمان ليسوا أكثر من 1%، والدروز عددهم 25ألف نسمة .

*سوريا: العلويون يشكلون 10% في اللاذقية وطرطوس وحمص ، والدروز 4% ،والإسماعيليون والنزاريون ،والآغاخانيون1% ،والمسيحيون العرب 7% ، والمسيحيون غير العرب (اليعاقبةوالسريان واللاتين والأرمن ) في الشمال خاصة يشكلون 3%،والأكراد 4% ،والترك 1% ،والشركس 1% ،واليهود أقلية صغيرة جداً . 

    قد يكون وجود عدد من الأقليات ضامناً للاستقرار مقارنة باحتمال وجود ثنائية غير بالغة حد الكثرة التعدية ، ذلك شاهده أن الدول التي تحمل وسطها طرفين مختلفين ، أحدهما أقلية ، كثيرا ما تواجه صدامات واضطرابات أمنية ، من أمثلة ذلك  أن السودان حدثت فيها حرب أهلية من 1955 إلى 1972 ، ومنذ 1983 إلى 2005 . كذلك شمال نيجيريا مع جنوبها ،  وأميركا ، في حرب الشمال مع الجنوب ،وفي ألمانيا حرب الشق الشرقي على الغربي ، وفي فيتنام صراع الجنوبية مع الشمالية ،وكذا كوريا الشمالية مع الجنوبية ، والعرب مع الأكراد في العراق .([11])

     كل هاته المثالات تدفع إلىالقول بأن ((الثنائية في المجتمع والسياسة يمكن أن تكون أكثر خطورة من التعددية والمجتمع الثنائي له حد واحد قابل للتفجر ، أما المجتمع متعدد العناصر فيمكن مراقبته ، وتوازنه)) ([12]) 

 الخصوصية الثقافية ، والقابلية للتأثر.

   ما مدى قابلية الخصوصيات الثقافية للتأثر ؟ هنا سنعالج الفرضية القائلة :إن الخصوصيات الثقافية للأقليات غير قابلة للتأثر بوصفها راسخة في ثقافة الأقليات رسوخاً مكيناً.

   إن هذا الرسوخ  يزيد من قوته الوضع النفسي لكل مجتمع من مجتمعات الأقلية ، حيث يكون متأثراً بالواقع الواهن للأقلية ، أمام الأكثرية الأكثر عديداً وقوة.

   ولقد نعلم أن فاقد القوة – عادة- يعمل إلى تعويض ضعفه بمعوضات من بينها التمسك بما يميزه عن الأقوى والأكثر ، ولو كان ذلك المميِّز غير ذا قيمة ولا تأثير في الطرف الأقوى. كأن تتمسك أقلية ما بعادة اجتماعية معينة ، أو مظهر للباس خاص بها تمّاز به عن الأكثرية .

     إن فطرية وحتمية (العملية التأثرية)  لتؤكِّد امتناع العصمة عن الخصوصيات الثقافية وعناصرها التي لا يمكنها الاستمرار على حال ثابت غير متغير حسب درجات التغير من تحوير وتبديل وزوال . بيد أن الواقع يوكِّد أن ذلك التغير أعسرُ وأبطأ ما يكون في سواء الأقليات ، إذا قورن بما تشهده مجتمعات الأكثرية.

    إن واقع التاريخ والأنثروبولوجيا ، يوكد أن الخصوصية الثقافية ليست في معزل عن التأثر وليست معصومة عن التغير ، بل ليست في عصمة عن الزوال من الساحة الثقافية للأقلية سواءً كانت أقلية عرقية (إثنية) ، أو كانت  أقلية فكرية أيديولوجية.

   من أهم موكدات ذلك ما شاهدناه في مشهد ومثال (العولمة الإسلامية) حيث شكل الدين الإسلامي حركة عولمية مبكرة اجتاحت أغلب العالم البشري المتحضر والمتخلف ، وعلى كل المستويات أحدث تأثيرا رابياً ، فقد أثر في الفكر والعقائد ، وفي السلوك والعوائد واحتوى صُنوفاً كاثرةً من الأقليات بدءً بالأقليات العرقية طوال القرن الهجري الأول ثم الأقليات العقدية المتمثلة في أتباع الملل والأديان الأخرى ، كالنصارى ، واليهود ، والصابئة ،والمجوس.

   كل هاته الأقليات حيِيَتْ واستمرت وسط حالة الاجتياح العولمي الإسلامي ، وكانت ذوات ثقافات خاصة بها منطوية على خصوصيات لازمة لها ، لكنها لم تكن معصومة عن التأثير الإسلامي الذي غير كثيرا من أعراف عقائد وسلوكات تلك الأقليات . من ذلك مثلاً اللغة ، حيث استشرت لغة العرب التي هي جسر الإسلام ، واحتلت أفواه كثير من الأقليات التي لم تكن تتكلمها.

    إن كثيراً من الأقليات غير المسلمة انفتنت بالإسلام وتشاريعه السمحة ؛ فتركت إرثها الثقافي بما يحمله من خصوصيات واستبدلت به تقاليد العرب وثقافاتهم ، من لغة ولباس وعوائد اجتماعية ، حتى دخل التأثير إلى البنية العقلية التفكيرية.

   إن عناصر الخصوصية الثقافية قابلة للتأثر إلى درجة التغير حتى في ظروف غير قاسية فبعيدا عن وطأة العولمة تغيرت كثير من تلك العناصر بمجرد اندغام أفراد الأقلية وسط مجتمع الأكثرية من ذلك -مثلاً- ما يسنح من تبدل في عوائد وسلوكات الجاليات العربية والمسلمة في أوربا ، من ذلك ترك كثير منهم اللباس الشعبي ، وكذا عادات نشؤوا عليها وأرسخها الدين كالحياء والحشمة  ، وتقاليد الزواج والخطبة . بل إن من الأقليات من تدأب على اجتراح عادات مخالفة ومصادمة لعقائدها الدينية ، مطمئنة إلى ذلك غير شاعرة بذلك الصدام وتلك المخالفة ، ومن مُثل ذلك أن نجد كثيرا من أفراد الأقلية المسيحية في العراق  ومصر- مثلاً- يشاركون المسلمين احتفالاتهم الدينية والعرفية ، كالاحتفال بيوم عاشوراء ، وليلة القدر ، وليالي رمضان ، ومولد النبي محمد.

   قد تخلت بعض الأقليات عن خصوصياتها إلى درجة توهم بأنهم ليسوا ذوي  عناصر خصوصية ، ومن أشهر الأمثلة تداخل كثير من جماعات الغجر في الأكثريات إلى درجة جعلت الباحث (هوارد غرينفيلد)(howard greenfield)  يقول إنهم(( لا يملكون عادات وتقاليد )) ([13]) 

    ومن أمثلة عدم صمود عناصر الخصوصية الثقافية بعيدا عن وطأة العولمة ترك بعض الأقليات لباسهم المعتاد ، إلى لباس غيرهم مثلاً ، كان أقباط طرابلس كانوا يتزيّوْن بلباس البربر .قال عنهم البكري في كلامه على طرابلس ((وحولها أقباط في زي البربر كلامهم بالقبطية)) ([14]).

    بلغ من قوة التاثير الإسلامي وعولمته أن الأقليات الإسلامية كانت تؤثّر في الأكثرية المصاحبة لها إلى درجة تنزع عنها كثيرا من خصوصياتها الثقافية وعناصرها الركينة فيها  فليست الأكثرية دائما هي المؤثرة في الأقلية .

    إن المثالات الموكدة لهذا الواقع كثيرة ، منها – من باب التمثيل - تأثر سكان شرق أفريقيا بالأقلية المسلمة التي حلّت بينهم غبّ الهجرات التي توجهت إلى شرق أفريقيا من طرف اليمن ([15]) ، فقد كان سلاطينهم يتوارثون عن طريق الأمهات ، فتغير ذلك إلى الآباء ، فضلا عن بعض معايير الاختياروالتفضيل ، كذلك ظهر فيهم نظام الشورى ، كما حدث تغير في العصبية القبلية وحدتها ، والروابط الاجتماعية وتوجهها ، وهيئات الألبسة ، وكثيرٍ من الطقوس العقَدية كتقديم القرابين البشرية ، وتعاطي السحر  ، و تحورت كثيرات من العادات والتقاليد التي كونت بمجموعها عناصر الخصوصية الثقافية لأفارقة شرق أفريقيا .

     كل ذلك زعزعته الأقلية من وسط البناء الثقافي للأكثرية . ثم إن العولمة الإسلامية تجاوزت التأثير الجذري في الخصوصيات الثقافية ، إلى التأثير في المظاهر الحضارية ، وذلك في كل المناطق التي وصلها الإسلام ، سواء في أوربا وآسيا وأفريقيا. وقد كان من أمثلة التاثير في المظاهر الحضارية ما حلّ من أنظمة في المعمار البنائي في المنازل الخاصة ، والأبنية العامة، وطرائق تقسيم البيوت وتخطيط المدن .

    يأتي إقبال كثير من أصحاب الثقافات على ترك خصوصياتهم ، مقوياً لما يقوله علم النفس من أن السلوك البشري له خصائص من أهمها المرونة السلوكية ؛ بمعنى قابلية السلوك للتشكل وفقاً لمقتضيات الواقع ، وهذا النوع يمثل النصيب الأكبر من سلوك البشر ، خلافاً لجمودية أكثر أنواع السلوك الحيواني ، وهذا مايفصل علماء النفس القول فيه ضمن بحثهم في مصطلح (السلوك التعودي) (behavior Habitual) ([16])  

 وبرغم كل هذا فلا يمكن إنكار كون أفراد الأقليات هم من أشد المتمسكين بخصوصياتهم مقارنة بغيرهم من مجتمعات الأكثرية.

 

دور النفسية في تشكيل الخصوصية الثقافية: 

 

     إن الفرد ضمن الأقلية يكون عادة خاضعاً لوضع نفسي على غير صفته الطبيعية ، إلى حد يمكن وصفه بأنه غير طبيعي أو غير مستقر ، من نواتجه حدوث تضخم الأنا أمام الآخر مما قد يتطور للإصابة بعقدة النقص . وذلك يشكل دافعاً هاماً للدفاع عن السمات الخاصة لتلك الأقلية - أي عناصر خصوصيتها - ؛حتى إنها ترتفع في ميزان الأوليات بهيئة غير موضوعية ولا منطقية أحياناً فتحور السمة الكمالية في مرتبة الضرورة ، ويصير الهيّن هاماً ، والرخيص غالياً ، ضمن عملية تضخيم شاملة لكل ما تمّاز به الأقلية . من ذلك مثلاً التقاليد الاجتماعية ، وطرائق الكلام ، وصفات وعوائد وأصناف الأكل ، وضروب السكن وصوره ، وهيئات اللباس وصُنوفه .

    إذاً يحتل الدافع النفسي مكاناً رابياً ومؤثراً وسط دوافع تشكيل الخصوصية الثقافية للأقليات وسط الأكثرية.

    إن التمسك بعناصر الخصوصية للأقليات هو من مقتضيات الانحصار الذي تعيشه الأقليات ، ذلك الانحصار المتشكل من جانب جغرافي ، أو اجتماعي ،وهو من المؤثرات القوية في البنية النفسية لكل فرد من أفراد الأقلية ، فالبنية النفسية للإنسان هي محل قابل للتأثر على نحو قوي وسريع  يضارع في قوته وسرعته مدى التأثير الذي سيتولد من النفسية في سلوك وتفكير صاحبها ، حيث لا يكون بمُكنة عنصري السلوك والتفكير عند صاحبها الصمود أمام تأثير النفس المتأثرة من جهة ما أسميناه بالانحصار الجغرافي ،7 والاجتماعي ، وليس بلازم أن يجتمع هذان الجانبان معاً فقد تعيش الأقلية حالة انحصار اجتماعي  غير جغرافي كأن تعيش مثلا عائلة كردية وسط قبيلة عربية ، كما قد تعيش الأقلية حالة انحصار جغرافي كأن تعيش أقلية ما في إقليم ما غير مختلطة بغيرها محاطة بأكثرية غير مندغمة معها .

    إن ذلك الانحصار مهما قوي فإنه غير قادر على إزالة قدرة الإنسان علىالتَّأقلم(Acclimation) الذي هو عملية وليس حالة لدى الإنسان (


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر